طالبت هيئة مكافحة الفساد جميع المؤسسات والشركات المنفذة للمشروعات التنموية في جميع مناطق ومحافظات المملكة بوضع لوحات بمواصفات معينة توضح اسم المشروع، واسم الشركة المنفذة وتاريخ بداية المشروع، وتاريخ الانتهاء منه وتسليمه، وتكلفة المشروع وغير ذلك من المعلومات الأخرى.. وهذه بادرة طيبة من الهيئة، وقامت بعض الشركات بوضع هذه اللوحات كتنفيذ لطلب الهيئة، ولكن ليس المهم هو وضعها، بل الالتزام بالمواصفات الرئيسة للمشروعات، والوقت المحدد لاستكمالها، وتسليمها للجهات المسؤولة عنها في الوقت المحدد، وهذه الخطوة من هيئة مكافحة الفساد يجب ألا تقف عند وضع اللوحة فقط، بل هناك حاجة لمتابعة الالتزام بما ورد في هذه اللوحات من تأريخ للتسليم، والتنفيذ من قبل المقاول الرئيس، ومتابعة الجهات المشرفة على هذه المشروعات من تنفيذ بنود العقود المتفق عليها كما هي.
وعند الحديث عن أسباب تأخر تنفيذ العديد من المشروعات التنموية نجد أن هناك مجموعة من الأسباب التي قد تؤثر على تنفيذها، وهذه الأسباب قد تكون بشكل منفرد، أو مجتمعة مع بعضها؛ فالعائق الأول الذي يواجه تنفيذ مشروعاتنا التنموية يعود إلى اختيار الجهة المنفذة غير المؤهلة لتنفيذ مثل هذه المشروعات، وكثير من الشركات والمؤسسات قد لا تكون لديها الإمكانات المادية، أو البشرية أو التقنية، أو غيرها من الجوانب الأخرى؛ حيث إن بعض هذه الشركات والمؤسسات لديها تصنيف في هذا المجال، ولكنه غير حقيقي، ولا يعكس واقعها، وهنا أرى أن هناك حاجة ملحة لإعادة النظر في إجراءات وأنظمة المناقصات الحكومية، ولا يقتصر الأمر على ترسية المناقصات على أقل عرض؛ لأن ذلك قد يعني أقل كفاءة في المنتج النهائي للمشروع، بل يتم اختيار الجهة التي تنفذ المشروع التي لديها تأريخ جيد على الأقل في التنفيذ، والالتزام بالمواصفات، وبالوقت المحدد، ولديها الإمكانات التي تمكنها من القيام بالمهمة على الوجه المطلوب، أما السبب الثاني فقد يعود إلى عدم دقة وواقعية المواصفات التي تقدمها الجهات المسؤولة عن هذه المشروعات لجهات التنفيذ، فقد تكون المواصفات لا تعكس طبيعة المشروع بنوع من الواقعية، أو أنها لم تكن مدروسة بشكل جيد ومتوافق مع المتغيرات الأخرى في بيئة المشروع، ومن ثم يتم تحديد الوقت اللازم للتنفيذ بطريقة غير سليمة، ونتيجة لذلك تتعثر كثير من مشروعاتنا، وهنا أرى أن العاملين في إدارات المشروعات في الجهات الحكومية بحاجة إلى تدريب مكثف، أو إعادة تأهيل في مجال التعامل مع هذه المشروعات قبل ترسيتها، وفي أثناء تنفيذها، وبعد استلامها، كما أن الجهات المنفذة للمشروعات لا تدرس هذه المشروعات بنوع من التحري والدقة، ولا تتقصى طبيعة بيئة المشروع بطريقة علمية وهندسية محسوبة.
الجانب الآخر الذي قد يسهم بدرجة كبيرة في تأخر تنفيذ المشروعات التنموية يتمثل في أن الشركة أو المؤسسة الواحدة تعمل في الوقت الواحد في أكثر من مشروع، وفي ضوء إمكاناتها البشرية المحدودة، والتجهيزات المتواضعة لا يستمر العمل في المشروعات بشكل منتظم، بل يتم العمل في كل مشروع بعدد قليل جدا من العمالة، أو التنقل بهذه العمالة بين المشروعات، وبذلك يتم التوقف في بعض المشروعات عدة أسابيع، وقد تصل إلى أشهر للعمل في مشروعات أخرى سبق وأن توقفت لفترة من الزمن، وهنا أرى أهمية تمكن الشركات وتأهلها لمثل هذه المشروعات، ومراعاة ما لديها في فترة تنفيذ المشروع الجديد من مشروعات أخرى قبل الترسية.
كما أن كثيراً من الشركات المؤهلة لتنفيذ المشروعات قد تحصل على المشروع وتوقع عقده مع الجهة المسؤولة عن المشروع، وبعد فترة من الزمن يتم التعاقد بالباطن مع مقاول آخر بعد حصولها على نصيبها من قيمة العقد، ومقاول الباطن قد لا تكون لديه القدرة على تنفيذ مثل هذه المشروعات، والنتيجة تعثر مشروعاتنا التنموية، وقد يكون للجهات المسؤولة عن هذه المشروعات مثل إدارات المشروعات، أو المتابعة دور أساسي في تعثر تنفيذ العديد من المشروعات بالمواصفات، وفي الوقت المحدد من خلال عدم متابعة هذه المشروعات ميدانيا أولا بأول، وفي أثناء مراحل التنفيذ المختلفة، وهذا يترك الفرصة للمقاول أن ينفذ المشروع بأقل المواصفات، ولا يكون جادا في الالتزام بالوقت لأنه لا يرى أي متابعة مستمرة من الجهات المسؤولة عن هذه المشروعات، ونتيجة لذلك أرى ضرورة خروج موظفي إدارة المشروعات إلى ميادين العمل بصفة مستمرة، ومتابعة سير هذه المشروعات، والرفع بتقارير دورية عن العمل، ونسبة الإنجاز، ومدى الالتزام بالمواصفات، وغيرها من جوانب العقد المتفق عليها، وألا تكون مراقبة هذه المشروعات مراقبة ورقية لا تتعدى حدود مكاتب هذه الإدارات، ويتم استلام المشروعات في المكتب ورقيا، ولا يتم الوقوف على المشروع واستلامه من الميدان.
الجانب الآخر الذي قد يسهم في تأخر مثل هذه المشروعات قد يكون عائدا إلى غياب تطبيق بنود العقد في حالة تقصير الجهة المنفذة، فالمشروعات المتعثرة كثيرة، ولم نسمع عن معاقبة المتأخرين في التنفيذ إلا في حالات محدودة جدا، وقد يقتصر الأمر على سحب المشروع، وتسليمه لجهة أخرى، وهنا أرى أن سحب المشروع ليس بمعاقبة حقيقية لهذه المؤسسات، أو الشركات، بل هي مكافأة مجزية لها، ولا بد من إجراءات أخرى أكثر صرامة مثل تطبيق الغرامة المالية المنصوص عليها في العقد بشكل كلي، وتعليق أو إيقاف نشاط هذه الجهة لمدة من الزمن، أو حرمانها من الدخول في منافسات أو مناقصات أخرى، وغير ذلك من العقوبات الصارمة التي قد يكون لها تأثير واضح في ردع تهاون وتأخر إنجاز مشروعاتنا التنموية.