الشوارع المستقيمة تقودنا إلى نهايات مفتوحة تضيع فيها حدودها وإن أمسكنا ببدايتها، أما الشوارع المتعرجة فتؤدي غالباً إلى الأحياء الخلفية والعشوائيات لتتيح أمامنا فرصة اكتشاف المدن على حقيقتها.
هنالك من ينظر للشارع بازدراء؛ فنحن مع الأسف عندما لا تعجبنا لغة أحدهم نصفها بأنها "شوارعية"، وخاصة حين تحتوي على سيل من الشتائم، مع أن الشوارع بريئة من هذه التهمة لأنها لا تكيل الشتائم لأحد!
يعيد كثير من الكتّاب والفنانين والمبدعين الفضل للشوارع في انطلاقتهم الأولى بفضاءات الإبداع الفسيحة، أي منذ تملّكتهم لحظة الدهشة في بدء تكوينهم حتى وصولهم كمشهورين في قمة إبداعهم؛ حيث يشعرون بحميمية الشارع فاستمروا في جعله للمشي والإبداع معاً، ينشط إبداعهم بعد المشي عبر الشوارع، وفي إطار عالمنا العربي يعتبر الأستاذ نجيب محفوظ مثالاً للعلاقة بين الإبداع والمبدع والشارع، حيث استمرت علاقته بالشارع طوال ستين عاماً كرّس خلالها الشارع كوجود من خلال رواياته الممتدة منذ أربعينيات القرن الماضي، وبقي في الشارع الذي أحب فتمثاله ما زال منتصباً اليوم في شارع 26 يوليو في القاهرة وغيره كثيرون في العالم.
بل إن بعض المبدعين يذهب إلى أبعد من ذلك حين ترد في أحاديثهم وسيَرهم عبارة: "تربيت في الشارع"، إلا أنه من المفارقات أن بعض الأشخاص - على الرغم من غناهم الفاحش - لا يستمتعون بالمشي (الكهربائي) على الأحزمة والآلات المتحركة بالقدر الذي يشعرون فيه بالمتعة حين يركنون سياراتهم في شارع كبير ليتيحوا لأنفسهم فرصة ممارسة المشي أو الجري في الهواء الطلق مع (أناس الشارع) الذين يجلبون لهم المتعة وإن كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم بأن من في الشارع هم أقل منهم بدرجات!
ربما يمكن القول إنه من الصعوبة قراءة أثر الشارع في حياة المارّة لا لأنه لا يترك فيهم أثراً بل ربما لأنهم هم لا يتركون فيه أثراً، فعلى سبيل المثال فإن شارع (زايل) بفرانكفورت جعل العالم يتدفق بنكهة ألمانية إلى هذا الشارع السياحي الممتلئ بالمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية العالمية، وكذا الأمر في شارع (أرباط) في موسكو الذي هو صورة طبق الأصل عن مجتمع العاصمة الروسية، بكل ما فيه من حرفيين وموسيقيين وعارضين ومتجولين، ولهذا تأخذ الشوارع هويتها من المجتمع الذي يحركها ويمثل عمودها الفقري، ففي حياة شعوب تعتبر رمزية الشارع ذات أبعاد مهمة وكبيرة بالنسبة لهم.
في إسطنبول يغص شارع الاستقلال بالمارة والموسيقيين والباعة المتجولين وكذلك بالرسامين والمتسولين والنصابين، لكن السائح لا يستطيع تجاوز المرور بهذا الشارع الضيق. أما في أماكن أخرى فقد تهرم بعض الشوارع لكنها لا تموت، ففي القاهرة استطاع المهندس الفرنسي (هوسمان) تخطيط شارع محمد علي على غرار شارع (ريفولي) في باريس، لكن ظل متمسكاً بهويته رغم السنين إذ اكتسب شهرة شعبية في صناعة الموسيقى الشرقية. لكن ثمة شوارع أخرى تحولت من هدوء الخريف إلى متغيرات الربيع ومنها شارع محمد محمود باشا الذي كان هادئاً فأصبح هادراً بعد الثورة المصرية يمتلئ بالمتظاهرين.
حقيقةً، لا أعرف لماذا يسمي العرب الشانزليزيه بـ"الجادّة" رغم أنه أرقى وأشهر شوارع العالم.. على طاولة صغيرة لتناول القهوة يتساوى المشاهير والسياح والمتسوقون، فالجميع ينتهون إلى قوس النصر!
أما في (سان جيرمان) فالأمر مختلف نوعاً فتشتم رائحة المبدعين الوجوديين وأبرزهم سارتر الذي أنعش مقاهي الشارع بالكتابة الفلسفية والسياسية، أما اليوم فالمارة يستخدمون هذا الشارع المهم كمعبر يقودهم إلى جامعة السوربون الشامخة التي تبعد عنه خطوات بتاريخها العريق.
الشوارع لا تموت، بل إنها مصدر الحياة، فالخطوات الحقيقية للإنسان تبدأ من احتكاكه بالشارع، تتعثر بعض الخطى أحياناً لكن الأقدام تكتسب القوة لتعبر وتقفز وتتجاوز العقبات، ولهذا كان الشارع سلاح من لا سلاح لديه، وقد رأينا خلال أقل من عامين الشوارع تُسقط أولئك الذين كانوا يزدرونها.
هناك علاقة وثيقة بين الإنسان والشارع، ولذلك نرى بقاء أسماء الشوارع القديمة تلقائياً في أذهان الناس رغم تغير اسم الشارع أو شكله أو طبيعة النشاط على جانبيه، أو حتى محاولة اختيار اسم أجمل.
يسيء الناس للشوارع إذا ما أخطؤوا في تقدير المسافة البادئة بينهم وبينها، وهنا تجب المحافظة على خيط الحياة الرفيع، فالشوارع حياة أخرى وتاريخها لا ينسى مهما تغير الزمن، ويبدو أن الإنسان اخترع الشارع لا ليمر من خلاله فحسب، بل ليتنفس ويشعر بوجوده سعيداً على ضفتيه.