أكتب هذا الأسبوع من لندن، حيث حفلت الصحافة البريطانية بأخبار اختيار ولي العهد في المملكة العربية السعودية، وخلافا لتحليلات "خبراء الشرق الأوسط" المعتادين، أدهشت السرعة والسلاسة التي تم فيها الاختيار الجميع، وأكدت استقرار تقاليد الدولة السعودية. وبالطبع، ومن منظور سعودي، فإن اختيار الأمير سلمان اختيار طبيعي، فخبرته الطويلة في المناصب الكبرى في المملكة وفي الساحتين العربية والدولية جعلته المرشح الطبيعي لهذا المنصب.

وربما ليس ثمة رئيس دولة أو رجل سياسة لم يعرف الأمير سلمان، حاكما لمنطقة الرياض ثم وزيرا للدفاع، ودبلوماسيا فوق العادة حين تدعو الحاجة. وربما ليس ثمة رجل سياسة أو علم معاصر، لم يقابل سلمان خلال حياته العملية الحافلة. وهو كما نعرف راعي الثقافة والفكر والتاريخ والتراث، ثم المسؤول الرئيسي عن تنفيذ السياسة الدفاعية ورعاية القوات المسلحة.

كل هذا معروف، ولكننى سأكتب اليوم عن جانب آخر من أسلوب سلمان في الحكم، وهي تواصله المستمر مع المواطنين العاديين. فكأمير لمنطقة الرياض، كان له مجلسه الأسبوعي كل يوم اثنين، ولكنه خلال بقية الأسبوع متوفر ومستعد لقضاء حاجات المواطنين، أينما كان، داخل المملكة وخارجها.

وهو بذلك ينسجم تماما مع توجه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذي جعل من تواصل المسؤولين مع المواطنين قضية أساسية خلال الفترة الأخيرة، أثارها علنا، عدة مرات خلال الشهرين الماضيين.

وكما نعرف، فإن الوصول إلى كبار المسؤولين والحظوة لديهم، في أي بلد، ميزة يسعى الجميع إلى الحصول عليها. ويحرص الكبار من رجال الأعمال والسياسة على الوصول إلى المسؤول، ونشأت في الدول الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا، شركات متخصصة تتولى التوسط بين المسؤول وصاحب الحاجة، مقابل شروط معروفة، ظاهرة ومبطّنة. وما أتحدث عنه هو ليس التواصل العادي وإنما النفوذ والحظوة والقدرة على التأثير على القرار، أو على الأقل أن يضمن الشخص وصول رسالته أو مصلحته مباشرة إلى المسؤول. أما مجرد إيصال الرسالة إلى المسؤول، فيتم من خلال البرلمان، أو الصحافة أو عن طرق التواصل المعروفة المباشرة مع المسؤول، وهذه وسائل متوفرة للمواطن العادي.

ولذلك فإن هم الوصول إلى المسؤول هم عالمي، وفي المملكة وجّه خادم الحرمين المسؤولين، بقوة وبتكرار مقصود، لفتح أبوابهم أمام المواطنين، وأكد أن المسؤول هو في الدرجة الأولى خادم للشعب يجب أن يكون قريبا منهم، سهل الوصول إليه.

ففي 10 جمادى الآخرة 1433 (30 أبريل 2012)، في لقاء دشن فيه مشاريع للتعليم العالي بلغت قيمتها (81) مليار ريال، قال خادم الحرمين، أمام بعض الوزراء:

"كلكم أطلب منكم أنتم يا إخواني وأحملكم مسؤولية كبيرة لأنكم اخترناكم من بين شعب المملكة العربية السعودية ولازم تقدرون هذا ولازم تتحملوا المسؤولية وتؤدون واجبكم نحو دينكم ووطنكم وشعبكم، وأطلب منكم أن مكاتبكم لا تحطون عليها بواب ولا تسكرونها أمام الشعب لأنكم أنتم كلكم ونحن خدام لهذا الشعب ولهذا الوطن، خدام قبل كل شيء لديننا الذي لا نزيح عنه إن شاء الله، دين العزة، دين الكرامة، دين الوفاء، دين الأخلاق".

ولا أشك بأنه كان لهذه الكلمات وقع لدى كل مواطن سمعها، فالوصول إلى مدير مكتب بعض الوزراء، فضلا عن الوزير ذاته، أصبح من الصعوبة بمكان لدى كثير من المواطنين، خاصة من لديهم قضايا صعبة أو مستعصية على الحل. وأعرف مواطنا، على سبيل المثال، يحاول الوصول إلى أحد الوزراء المعروفين، منذ (12) عاما، ولم يتمكن حتى الآن لمناقشة موضوع يهمه ويعنيه، وقد حاول الكثيرون، بمن فيهم هذا الكاتب، التوسط لتحقيق هذا اللقاء الضروري، ولكن دون جدوى.

ثم جاء دور السفراء، فمنذ أسابيع، في 14 رجب 1433 (4 يونيو 2012)، ولدى أداء بعض السفراء الجدد القسم المعتاد أمام خادم الحرمين، قال لهم، بكلماته العفوية المعروفة: "لازم يكون عندكم أولا إحساس بأنكم تمثلون المملكة العربية السعودية وشعب المملكة العربية السعودية، وأوصيكم بالشعب السعودي أنتم وأنا وكل مسؤول في الدولة يعتبر نفسه أنه خادم لهذا الشعب. وستأتينا الأخبار ونعرف من منكم سيغلق مكتبه ومن الذي يفتحه ومن الذي يستقبل، المهم أنكم ما عينتم هناك إلا لأجل الشعب السعودي ومصلحة دينكم ووطنكم".

ونظرا إلى أنني قد عشتُ معظم حياتي العملية خارج المملكة، نحو 25 عاما، فقد كان لهذه الكلمات وقع خاص لديّ، إذ أعرف حاجة المسافرين، والمقيمين خارج المملكة إلى التواصل مع ممثليات بلادهم، 24 ساعة يوميا.

ولا أشك في أن الكثير من السفارات توفر خدماتها على مدار الساعة، ولكن يجب أن يكون ذلك في كل بعثة، وفي كل ظرف. لأن الطوارئ والأحداث لا تعرف ساعات الدوام الرسمي ولا تتقيد بها، ولا يعرف المواطن متى سيحتاج إلى خدمات سفارة بلاده.

ولأنني عشتُ في مدينة نيويورك نحو (18) عاما، فقد عايشتُ قضايا كثير من المواطنين، الزائرين والعابرين للمدينة، الذين انقطعت بهم السبل فيها، لسبب أو لآخر، وكانوا في حاجة سريعة للمساعدة، ولكنها كثيرا ما تأخرتْ، أياما كثيرة في بعض الأحيان.

أذكر بالمقابل تجربة زميل أمريكي سافرتُ معه في رحلة عمل من نيويورك إلى بلد عربي مجاور، وحين وصلنا إلى مطار تلك الدولة، الساعة الثالثة صباحا تقريبا، اكتشفت السلطات أن ثمة مشكلة في جواز سفره تمنعه من الدخول. وتوقعتُ أن يعود أدراجه في أقرب رحلة إلى نيويورك، ولذلك قررتُ أن أنتظر معه إلى حين موعد عودته. ولكن كان لديه فكرة أخرى، بسبب نظرته إلى مسؤولية السفارات عن مواطنيها. فقام بالاتصال بواشنطن، وحصل على رقم هاتف منزل السفير، واتصل به، في تلك الساعة المتأخرة من الليل وشرح له مشكلته. وخلال أقل من ساعة كانت قنصل الولايات المتحدة أمامنا ومعها جواز سفر جديد أعطته لزميلي وتمكن من استكمال إجراءات الدخول. ومع أن وسائل الاتصال الحديثة قد جعلت من الممكن إيصال صوت المواطن إلى المسؤولين، ولكن التواصل الحقيقي لا يحدث إلا حين يلتزم المسؤول بتنفيذ توجيهات خادم الحرمين التي أشرتُ إليها: "أنتم كلكم ونحن خدام لهذا الشعب ولهذا الوطن". وقوله: "وأوصيكم بالشعب السعودي أنتم وأنا وكل مسؤول في الدولة يعتبر نفسه أنه خادم لهذا الشعب".

وبهذه التوجيهات، وتعيين الأمير سلمان الذي طبقها عمليا حاكما للرياض، فإن المواطنين والمسؤولين في المملكة مقبلون على حقبة جديدة غير مسبوقة.