منذ نهاية الستينيات وخلال السبعينيات ظهر تيار الحداثة وانتظم ميادين الحياة الثقافية والأدبية وتكرس بصورة واسعة في الأدب ومشتقاته مستفيدًا من قنوات الإعلام العامة وبالذات الصحافة، رغم أنه كان خارج المحيط الحيوي للحياة الأدبية، ما جعل الأدب بعيدًا عن بيئته الحقيقية، في محاولة لتحوير البيئة الأدبية وخلق بيئة اصطناعية تتلاءم مع الحداثة، هذا التشكل الاصطناعي الذي ألم بالأدب أحدث انفصامًا واضحًا في الحياة الأدبية، وكانت النتيجة أدبًا يفتقر إلى الأصالة وهو اختلال ناشئ من تصور ثقافي وحضاري منهزم.

مشكلة المثقف الحديث أنه يسعى أن يكون حداثيًا في آماله وأهدافه وتقليديًا ومحافظًا في تفكيره ومنطقة، ولذلك يختلط في ذهنه المنطق الحديث بالمنطق التقليدي المحافظ وفي الوقت نفسه كرست فيه الحداثة حالة الإنبهار والتقليد والتي وضعتاه على خط التبعية الثقافية بلا تحفظ، منتهجا سبيل أي ثقافة كانت، مما أدى إلى عجزه عن إدراك الواقع الثقافي كما هو، وهي نتيجة استخلصها المؤرخون الاجتماعيون من تجارب الثقافات والمجتمعات التي حاولت الخروج من واقعها الثقافي بحصيلة ثقافية مستعارة، وهو تجاه يخدع المثقف ويغريه بنوع من الاستقلالية يظن أنه يملكها وهذا في الواقع جعله يواجه عجزًا مستمرًا عن الانطلاق والتغيير رغم أنه في واقعه يريد الانطلاق والتغيير ولكن بأساليب الاندفاع الرومانسي وبتلك الحصيلة المستعارة وليس بأساليب التمرحل أو التطور التاريخي أي الاقتناع بوجود مراحل وآليات تمر بها كل المجتمعات بلا استثناء في تحولاتها الثقافية، [مما جعل كبار منظرينا الأدبيين عالة على الشرق والغرب لم يبدعوا ولكن ترجموا واقتبسوا ونقلوا]

هل يعني هذا أن المثقف ليس له دور في إنتاج الوعي أو صنع التجربة، وهل مشكلة المثقف أنه ينتزع الأفكار من جذورها انتزاعًا ليؤقلمها في بيئته؟! تلك الحقيقة هي أن فكر الحداثة والمتذرع بالاستعلاء الذي ساد في السبعينيات أراد أن يروض المجتمع على أن ينسى هذا المجتمع ثقافته مقابل هذه الحصيلة المستعارة والمصطنعة.

لذلك لم تكن عقلية الحداثة مهيئًة للتغيير بوصفها تشكل اصطناعي مركب، رغم كل الهالة التي صنعتها حول نفسها.

على أي حال تلاشت الحداثة عن المشهد طوعًا أو كرهًا فقد كان خطاب الحداثة لحظة فكرية اختفت وكانت في الواقع انبهارًا مقلدًا ونموذجًا شكليًا مستنسخًا وأطروحة رمزية لا تتجاوز السطح إلى الجذور، دخلت الحياة الأدبية بهوية منقولة ومصطنعة ومركبة ومستعارة ومن ثم فرغت في المحتوى الليبرالي ولكن على خط التبعية بلا تحفظ رغم أنها فكريًا من منتجات القرن التاسع عشر الأوربي.

لم يستوعب المثقف الحديث تنوعات وتناقضات وإشكالات الفكر الحديث، ويبدو أن المقدرة على التفكير هي المعضلة، خصوصا التعبير عن الأفكار المعقدة ذات المنزع الفلسفي التحليلي، والسبب في تصوري أن المثقف يتناول قضايا كبرى لا يحسن هضمها، وتصوري الآخر انعدام الهوية والثوابت المنهجية والمرامي الحضارية والانسجام في المقولات الفكرية في قضايا كنا نظن أنها توحد المثقف فكريًا، نراه يضطرب حيال التعبير عنها لدرجة يصعب معها التعرف على المقصود الفكري والسبب أن الأفكار تتحرك تبعا للاعتبارات الذاتية أو التقليد أو هياكل التنظير.

إذ لم يجد المفكر بعد الثقة التي تجعله يقود تلك المتغيرات أو على الأقل يسايرها عن وعي يتيح له أن يتفاعل معها تفاعلًا ذا أثر إيجابي، أو حتى يعيد إنتاجها لكي يخضعها لاستخدامه الذي يريد.

لنأخذ مثلا قضية الليبرالية أو العلمانية أو حتى القضية الفلسطينية، وهي قضايا يمكن الفصل فيها فكريًا وثقافيًا بمنتهى السهولة، ولكن المثقف لا يقف على الصورة الحقيقية للقضية ولكنه يقف على كاريزما الصورة والتي يؤسس عليها منهجه في التفكير وموقفه الفكري والذي يستمده عادة من المنظرين الكبار الموسومين عنده بأنهم عمالقة ليس على صعيد الفكر وحده وحتى على صعيد الإعلام.

ولكن حفاظًا على وحدة السياق الذي بدأناه نؤكد أن الحداثة أفضت إلى الليبرالية، فالحداثة على حد تعبير الدكتور ياسين الحافظ الوجه الفكري والثقافي للفكر الليبرالي، فمن الثابت أن كل حداثة تنهل بالضرورة من الحداثة الأوروبية بوصفها المصدر الأصل. لكن أيا منها يتلون بلون المجتمع الخاص الذي تنبع منه أفكار الحداثة ويتكيف مع معطيات تاريخية.

فعقلانية ديكارت وليبنتز غير عقلانية هيغل، وتجريبية بيكون غير تجريبية ديفد هيوم، وليبرالية هوبس ولوك غير ليبرالية روسو ومنتيسكيو، لا معنى إذا لانتزاع الحداثة الغربية من سياق تطورها التاريخي من أجل فهمها أو تطبيقها.

بهذا المعنى يفهم إلحاحنا على وجوب قراءة الحداثة، بعيدا عن فكرة المضاهاة والقياس على مثال سابق، والتسليم بأن ماهيتها كحداثة إنما تأتي من نظرتها الحديثة والجديدة بمعزل عن مطابقتها وعدم مطابقتها للنظرة الأصل، ثم بعيدًا عن فكرة النموذج الأوحد الذي يتجاهل سياقات التطور التاريخي وقانون التراكم في الفكر والظواهر الفكرية.

إن الحداثة نجمت عن اتصال فكري عربي لم ينقطع بمصادر الفكر الغربي منذ قرن ونصف القرن، وتخلله الاقتباس والاستلهام والتأويل والحوار والنقد، أي جميع أنواع الصلة التي يمكن أن ينسجها فكر مع آخر يؤثر فيه، لكنها في الوقت عينه ناشئة كي تجيب عن أسئلة خاصة بالمجتمع والثقافة، أسئلة ما كان حداثيو أوروبا قبل قرن ونصف يواجهونها أو يواجهون معظمها، لأنها لا تنتمي إلى حقلهم التاريخي والثقافي، ومن دون رؤية هذه الجدلية وهذه العلاقات المزدوجة بالمرجع الفكري الغربي، وبأسئلة المجتمع الخاص، يمتنع فهم هذه الحداثة.

كانت فكرة الحداثة في الواقع تقوم على تحرير الفنون الثقافية من قيود القيم، وكان كبار منظريها الفكريين والأدبيين ينقلون الأشكال والأفكار من الشرق والغرب.

لم تكن تلك الكتابات مجرد أفكار نظرية، فقد كانت على رغم ضعف بنيتها تحديًا للقوى الاجتماعية المحافظة السائدة، وإن كانت أغلب تلك الكتابات يسودها الانفعال والارتباك والرؤى المتضاربة والفوضى الفكرية وعدم المقدرة على تنظيم الحجج ولا يصدق وصفها بأنها ليبرالية، أما تلك الكتابات الصحفية فقد كانت لإثراء الجدل الصحفي، والكثير منها فشل تمامًا في خلق جو مثير من النقاش العلمي حول أي قضية ثقافية أو اجتماعية.

وإن كانت مجمل التناولات الأكاديمية والصحفية تنزع إلى دمج الفرد في المجتمع الغربي دمجًا متسرعًا وتامًا في ذهنيه وسلوكه وفكره، وربما في أخلاقه.

وإذا كانت هذه النزعة حاضرة في تلك الكتابات إلا أن تلك الذهنيات كانت عاجزة عن إنتاج الأفكار وذلك عن طريق المزج ما بين التقاليد المحافظة والتقاليد الليبرالية الغربية لافتقارها إلى روح الابتكار في التفكير، فقد كان يسودها الانفعال والفوضى الفكرية، وإن كانت بعض تلك الكتابات مرت بأطوار فكرية متنقلة ما بين فكرة العروبة إلى فكرة القومية الجديدة، إلى الشق اليساري وإلى التطور الأخير لليبرالية، إلا أنها لم تستطع برغم تلك التحولات الفكرية أن تؤصل لخلق جيل متنور واعي.

لم يتعاملوا مع الوعي كمشروع حضاري مرحلي، وإنما كانت البرهنة على الأفكار الفلسفية - كأساتذة كبار - هي الغاية فشطت بهم الأفكار الفلسفية وكانت الحصيلة مجرد ردات فعل على قضايا أنية.