لم تَكد الحرب العالميّة الثانية تَضع أوزارها حتّى أخرج الفيلسوف البريطانيّ غلبرت رايل Gilbert Ryle رائعته الفلسفيّة «مفهوم العقل»، وإذا هو يشنّ خلالها هجوماً لا هوادة فيه على تراث ديكارت في العقل، ناظراً إلى هذا التراث نظرةَ سخطٍ شديد، وإذا هو يَعدّ ثنائيّة ديكارت أسطورةً يجب أن نُعرِض عنها، فهل وُفِّقت السلوكيّةُ الفلسفيّةُ في تصويرها لطبيعة العقل؟

جادلَ أفلاطون في «فيدون» بأنَّ النَّفسَ قابلةٌ للانفصال عن الجِسم. وعرَّف أرسطو النَّفسَ على أنّها «كمال» أو «صورة» الجسم، وبَدَتِ النَّفسُ كما لو كانت تعديلاً للجسم. وفي تجربة فكر الرجل المعلَّق في الهواء، أثبتَ ابن سينا وجودَهُ عن طريق النَّفس المُغايرة للجسم. وجاء ديكارت ليُدافِع عن ثنائيّة الجوهر، وخلاصتها أنّ الإنسان مكوَّنٌ من جوهرَيْن مُتميّزَيْن: جسمٌ مادّي ماهيّته الامتداد وعقل لامادّي ماهيّته التفكير. صورتان من السلوكيّة

سيطرت ثنائيّة الجوهر على الفكر الفلسفي زمناً طويلاً، ولكنْ لكثرة مشكلاتها مثل السببيّة العقليّة، نادى الفلاسفة بوجود نَوعٍ واحد من الجوهر هو المادّة. وظهرت في القرن العشرين صورٌ من الماديّة أو الفيزيائيّة هي السلوكيّة، ونظريّة هويّة العقل-المخّ، والوظيفيّة.

تقول السلوكيّة بعامّة إنّ كلّ ما يُعرف أو يُقال عن الحالات العقليّة للناس يُمكن معرفته أو قوله في حدود سلوكهم القابل للمُلاحظة. ويُمكن تحليل هذه الفكرة إلى ثلاث دعاوى. الأولى إبستمولوجيّة تتعلّق بكيفيّة الحصول على «معرفة» بالحالات العقليّة. والثانية دلاليّة تدور حول «معاني» مُصطلحات مثل «اعتقاد» و»رغبة». والثالثة ميتافيزيقيّة تدور حول «الطبيعة النهائيّة» للحالات العقليّة. والسلوكيّة اسم لحركتَيْن مُتميّزتَيْن إحداهما في عِلم النَّفس، وهي السلوكيّة النفسيّة أو المنهجيّة أو التجريبيّة أو العلميّة، والأخرى في الفلسفة، وهي السلوكيّة الفلسفيّة أو المنطقيّة أو التحليليّة. ترتبط السلوكيّة النفسيّة بتصوُّرٍ مُعيّن للمَنهج العلمي يجب تطبيقه في عِلم النَّفس، وكُتِبَ لها السيطرة منذ أوائل القرن العشرين حتّى الستّينيّات، وتجلَّت في كتابات جون واطسون الذي استهلَّ المجال ببيانٍ في العام 1913 «علم النفس كما يراه السلوكي»، وبورهوس سكنر، وغيرهما، ثمّ توارت مع ظهور طرائق جديدة مثل نموذج معالجة المعلومات. وتؤكِّد السلوكيّة النفسيّة أنّ عِلم النَّفس يجب أن يهتمّ بصياغة القوانين فقط التي تربط أشياءً قابلة للملاحظة مثل المُثيرات والاستجابات. ومعنى هذا أنّ كلّ سلوك يُمكن تفسيره في حدود العلاقة السببيّة بين المُثير والاستجابة، ومهمّة عالِم النَّفس هي أن يُقدِّم وصفاً مَنهجيّاً لهذه العلاقة. إذا كانت السلوكيّة النفسيّة قد ركَّزت على المنهج لدراسة السلوك، فإنّ السلوكيّة الفلسفيّة ركَّزت على معاني الكلمات العقليّة وطبيعة العقل والحالات العقليّة. وإذا كانت السلوكيّة النفسيّة استبعَدت الثنائيّة الديكارتيّة بحجّة أنّها غير علميّة، فإنّ السلوكيّة الفلسفيّة استبَعدت الثنائيّة الديكارتيّة بحجّة أنّها خاطئة منطقيّاً. ظهرتِ السلوكيّةُ الفلسفيّة في إطار حركتَيْن مُختلفتَيْن هُما الوضعيّة المنطقيّة وفلسفة اللّغة العاديّة. نَظَرَ فلاسفةُ اللّغة العاديّة إلى الثنائيّة الديكارتيّة نظرةَ شكٍّ لأنّ أفكارها لم توضَع في حدود اللّغة العاديّة (الطبيعيّة) المُلائِمة للبحث الفلسفي. وتمسَّك الوضعيّون المنطقيّون بنظريّة التحقُّق في المعنى التي تقول إنّ معنى القضيّة هو منهج التحقُّق منها. وتستطيع النَّظر إلى السلوكيّة بوصفها النتيجة الطبيعيّة لتطبيق نظريّة التحقُّق على المصطلحات العقليّة مثل الاعتقاد والرغبة. وأنتَ إذا ذكرتَ السلوكيّة الفلسفيّة، ذكرتَ معها فتجنشتين، ورايل، وكارناب، وهمبل، وكواين، ودينيت. وحسبي الإشارة إلى جانبٍ من أفكار فتجنشتين ورايل.

فتجنشتين والخنفساء في الصندوق

تبدو السلوكيّة مُلائمة لمَعرفة العقول الأخرى، ذلك أنّ معرفتنا بعقول الآخرين تأتي عن طريق ملاحظة السلوك. وتبدو ثنائيّة الجوهر مُلائِمة لمعرفة عقل المرء، فأنتَ تستطيع أن تعرف عقلك معرفةً يقينيّة، ولكنّكَ تعرف عقول الآخرين معرفةً ظنيّة عن طريق القياس إلى عقلك. وهذه الفكرة عن خصوصيّة ما هو عقلي رَفَضَها السلوكيّون مع رفْض النّزعة الاستبطانيّة. وظهرَ هجومُ فتجنشتين المتأخِّر على فكرة الخصوصيّة في إطار حجّة اللّغة الخاصّة. وتعتمد فكرة اللّغة الخاصّة على رأيَيْن: يتعلّق الأوّل بطبيعة الخبرة، ويقول إنّ مضمون خبرتي يُعَدّ موضوعاً خاصّاً داخل الوعي ألاحظه وحدي. ويتعلّق الثاني بطبيعة اللّغة وتفسير المعنى، ويقول إنّ الكلمات تَكتسب معناها عن طريق التعريف الإشاري. رَفَضَ ڤتجنشتين الرأيَيْن معاً في فقرة «الخنفساء في الصندوق»: «افترض أنّ كلّ شخص لديه صندوق فيه شيء ما، نسمّيه خنفساء. ولا يستطيع أحدٌ أن ينظر في داخل صندوقِ شخصٍ آخر. وقول كلّ واحد إنّه يعرف ما الخنفساء عن طريق النظر إلى خنفسائه هو فقط. هنا قد يكون من المُمكن تماماً أن يكون لدى كلّ شخص شيء مُختلف في صندوقه؛ بل يجوز للمرء أن يتخيَّل أنّ هذا الشيء في تغيُّرٍ مُستمرّ. هل يَفترض أنّ كلمة «خنفساء» لها استعمالٌ في لغة هؤلاء الناس؟ إذا كان الأمر كذلك، فلن تُستعمل بوصفها اسم الشيء. فالشيء في الصندوق ليس له مكان في لعبة اللّغة على الإطلاق؛ ولا حتّى بوصفه شيئاً، لأنّ الصندوق ربما يكون فارغاً. لا، يستطيع المرءُ أن «يقسم تماماً» الشيء الموجود في الصندوق، وذلك يلغيه تماماً. وهذا يعني القول: إذا وَضَعْنا قواعدَ التعبير عن الإحساس على أساس نموذج «الشيء والدلالة»، فسوف يسقط الشيء من الاعتبار بوصفه لا علاقة له بالموضوع»( (Wittgenstein,Philosophical Investigations,2009: sec. 293. إنّ فهم اللّغة يَستلزم القدرةَ على استعمال كلماتها وفقاً لقواعد معيّنة. واتّباع قواعد اللّغة مُمارَسة اجتماعيّة، وتكلُّم اللّغة يعني الاشتراك في صورة الحياة. وعلى هذا النحو لا يُمكن القول بوجود خبرةٍ خاصّة أو لغةٍ خاصّة.

نقد رايل للثنائيّة الديكارتيّة

سَلَكَ تفكيرُ جلبرت رايل في «مفهوم العقل» طريقَيْن، أحدهما سلبيّ والآخر إيجابيّ. فأمّا السلبيّ فهو نقد ثنائيّة ديكارت. وأمّا الإيجابيّ فهو تقديم وجهة نظر بديلة عُرفت بالسلوكيّة المنطقيّة (أو التحليليّة). رأى رايل أنّ حلَّ ديكارت لمشكلة العقل والجسم هو التفكير في العقل بوصفه (شبحاً) يسكن جسمنا (الآلة). ووصف هذا الحلّ بأنّه «عقيدة الشبح في الآلة». والخطأ في هذه العقيدة هو معاملة العقل والجسم، كما لو كان كلُّ واحدٍ منهما يمثّل نوعاً من شيء. ولكنّ النّظر إلى العقل هكذا هو «خطأ المقولة».

تخيَّل أنّكَ زرتَ جامعة القاهرة، واصطحبكَ صديقٌ إلى مباني الآداب والعلوم وغيرها. ولنتخيَّل أنّكَ قلتَ لصديقك: «شكراً، لقد أطلعتني على مباني الآداب والعلوم، وَهَلُمَّ جَرّا، ولكن متى نذهب لتطلعني على الجامعة؟» هنا تكون قد ارتكبتَ خطأً مقوليّاً. والخطأ هو أنّك تعتقد أنّ الجامعة تنتمي إلى المقولة أو الفئة التي تنتمي إليها المباني، وتفكّر فيها، كما لو كانت مبنىً آخر يُمكن أن تذهب إليه وتشاهده.

والصواب أنّ الجامعة اسمٌ جمْعي، بمعنى أنّها لا تنتمي إلى المقولةِ نفسِها التي تنتمي إليها مباني الكليّات، وإنّما تنتمي إلى مقولةٍ عامّة. «عقيدة الشبح في الآلة تفعل هذا على وجه الدقّة: إنّها تؤكّد وجودَ أجسامٍ وعقولٍ معاً. وتؤكِّد وجودَ عمليّاتٍ فيزيائيّة وعمليّاتٍ عقليّة، وأنّ هناك أسباباً آليّة للحركات الجسميّة وأسباباً عقليّة للحركات الجسميّة. وسوف أثبت أنّ هذه العبارات العَطفيّة والمُناظرة لها محالة، ولكن يجب أن نلاحظ أن الحجّة لن تُثبت أنّ أيّة قضيّة من القضايا المعطوفة على نحوٍ غير منطقي مُحالة في ذاتها. فأنا لا أنكر، مثلاً، وجودَ عمليّاتٍ عقليّة... ولكن أقول إنّ عبارة «توجد عمليّاتٌ عقليّة» لا تعني نَوع الشيء الذي تعنيه عبارة «توجد عمليّاتٌ فيزيائيّة»، وَمِنْ ثَمَّ لا يكون معقولاً أن نربط بينهما أو نفصلهما»(Ryle, The Concept of Mind,2009:11-12) ). لقد أخطأ ديكارت عندما زَعَمَ أنّ العقلَ جوهر وشيء. أمّا رايل فالعقل عنده ليس شيئاً، وإنّما العقل هو اسمٌ جمْعيّ يدلّ على نماذج للسلوك.

الاستعدادات السلوكيّة

لم يكُن رايل مُهتمّاً بتفنيد أسطورة ديكارت فقط، وإنّما كان مُهتمّاً أيضاً ببناء نموذجٍ جديد في العقل يعتمد على فكرة الاستعدادات السلوكيّة التي سوف تحلّ محلّ ملكة الاستبطان. وحقيق بي الآن أن أجيب عن سؤالٍ لا أخال القارئ إلّا سائله: إذا كانت كلمة عقل لا تُسمّي كائناً ماديّاً أو لا ماديّ، فكيف تؤدّي وظيفتها؟ الجواب هو أنّ امتلاكَ العقل يعني امتلاكَ قدرةٍ على السلوك بذكاء، وأنّ امتلاكَ حالةٍ عقليّة يعني امتلاكَ استعدادٍ للسلوك بطريقة معيّنة. والآن، كيف تربط السلوكيّة المنطقيّة بين فكرة الاستعداد ومشكلة العقل والجسم؟ يتمثّل الجواب في تحليلٍ استعدادي لِما يوجد لشخصٍ معيّن (س) ليكون في حالة عقليّة (ع)، وصورته: يكون «س» في حالةٍ عقليّة «ع»، إذا، وإذا فقط، في ظروفٍ معيّنة ظ1 ، ظ 2،... ظ ن، كان مستعدّاً للسلوك بطُرق ط 1، ط 2، ...ط ن.

نقد السلوكيّة الفلسفيّة

على أنّ هذا التحليل الاستعداديّ لم يوفَّق في فهْمِ طبيعة الحالات العقليّة، وذلك لأسبابٍ عدّة. أوّلاً، ثمّة اختبارٌ حاسم للخاصيّة الاستعداديّة في الأشياء الفيزيائيّة. ولكنّ ما تفعله عندما يقترب منك كلبُ الشارع يعتمد على الظروف التي تتنوَّع تنوّعاً كبيراً، وكذلك الطرق التي يُمكن بها أن تكشف عن خوفِكَ من الكلب. والاعتراض هو أنّه بقدر ما تتنوَّع الظروف وطُرق السلوك، ستوجد حالاتٌ عقليّة جديدة تحتاج بدَورها إلى تحليلٍ سلوكي. ثانياً، لم تقدِّم السلوكيّة شيئاً مذكوراً عن الوعي الذي يُمثِّل عقبةً كؤود أمام أيّة نظريّة ماديّة في العقل. وتمتاز الحالات العقليّة بأنّها داخليّة وذاتيّة وكَيفيّة. وإذا فهمتِ السلوكيّةُ الألمَ بوصفه علاقةً سببيّة بين المُثير والاستجابة، وبوصفه سلوكاً أو استعداداً للسلوك، فإنّ الكيفيّة الداخليّة للألم تكون خارج الموضوع.

ثالثاً، إنّ امتلاك الاستعدادات السلوكيّة ليس ضروريّاً ليكون المرء في حالةٍ عقليّة. هناك أشخاص يستطيعون، من خلال فعل الإرادة، أن يسلكوا وكأنّهم لا يتألّمون على الرّغم من مُعاناتهم القاسية. وهذا ما أَثبتته تجربةُ فكرٍ أقرَّها الفيلسوف الأميركي هيلاري بوتنام.

*أكاديمي من مصر

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الإلكترونية.