القرآن الكريم هو دستور المسلمين؛ وهو المصدر الأول للتشريع بلا جدال؛ وأي نص مخالف له من النصوص الثواني ينبغي أن يّطرح، لأنه ــ أي القرآن ــ يعلو ولا يُعلى عليه. وفي ذلك يقول شيخ المحدثين في وقته (الخطيب البغدادي، ت: 463هـ) في كتابه (الفقيه والمتفقه،1/132)، تحت عنوان (باب القول في ما يُرَد به خبر الواحد): «وإذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رُد بأمور، أحدها: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، فيُعلم أنه لا أصل له، أو منسوخ». ولنا أن نلاحظ هنا أن من يُرد قوله عند مخالفته القرآن هو ذلك الثقة المأمون، فكيف بمن دونه؟ وإن من المؤسف حقاً أن نقرأ لأحد شراح كتاب (الورقات في أصول الفقه) لإمام الحرمين الجويني، ما مفاده أن القرآن يمكن أن يُنسخ بحديث آحاد، عظم الله القرآن عما يقولون. كيف يُنسخ القرآن المقطوع به من عند الله تعالى بخبر ظني لا يفيد إلا الظن في أحسن حالاته؟

مما جاء به القرآن، والإسلام عموماً، مما يأتي على رأس سنام الأخلاق، حُسنُ التعامل مع الناس بصفتهم عباداً لله تعالى، بغض النظر عن أديانهم، ومذاهبهم، ومللهم، ونحلهم، وأعراقهم، وقبائلهم، وسائر إثنياتهم، فقال تعالى في الآية(83) من سورة(البقرة): «وقولوا للناس حسناً»؛ ثم أتبعها بالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مما يدل على عظم السلوك الحسن مع الناس، بصفته مقروناً مع الصلاة والزكاة. ويشرح الإمام (ابن كثير) قوله تعالى: «وقولوا للناس حسنا» بقوله: «أي كلموهم طيبا، ولينوا لهم جانبا. والحسن من القول أن يحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسناً كما قال الله، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله». ويدخل في ذلك قوله، صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي ذر رضي الله عنه: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، وإن لم تجد فالق‏ أخاك بوجه منطلق».

من هنا، فأي آثار أو نصوص أو مقولات فقهية أو عقدية تحث على الصدام، أو الغلظة، أو الشدة، أو الحمل على غير الحسن من القول مع الآخرين، فهو مرفوض لرفض القرآن إياه. ذلك أن الإسلام العظيم، بصفته خاتم الديانات جاء لخير البشرية جمعاء، مؤمنهم وكافرهم، كما في قوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». ولقد تناول هذه الآية إمام المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري بالشرح والتفسير، مستعرضاً على عادته الأقوال المختلفة في تفسيرها، بَيْنَ من يحصر هذه الرحمة بالمسلمين وحدهم، وبَيْن من يرون أنها تشمل غير المسلمين، ثم عاد ليرجح ما رآه صواباً بقوله: «وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس، وهو أن الله أرسل نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم. فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة؛ وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينـزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله». وهنا ملمح مهم، وهو أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، بصفتها جاءت رحمة للعالمين كلهم، فإنها تقي غير المسلمين من عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم السابقة. فكيف يستقيم هذا الأمر العظيم الذي نزل به القرآن مع ما يقوم به المتطرفون ممن يتسمون بالإسلام وهو منهم براء، بالاعتداء بالقتل والقتال، وجميع أنواع الإيذاء على من لا يدينون بالإسلام، بحجة أن الإسلام أمرهم بذلك، وقد كذبوا على الله وعلى رسوله وعلى الإسلام؟

ومن الإحسان إلى الناس أيضاً عدم الاعتداء بأي شكل من الأشكال على معابدهم ومزاراتهم؛ وفي ذلك يقول الله تعالى: «ولولا دفْع اللَّه الناس بعضهم ببعض لهُدِّمتْ صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذْكر فيها اسم اللَّه كثيرًا». وقد فسرها الطبري بقوله: «أي لهدمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين»، ثم نقل، أي الطبري، عن المفسر المشهور، الإمام الضحاك بن مزاحم قوله «الجميع يُذكُر فيها اسم الله كثيرا». فيا عظم ذنب من يفجرون معابد غير المسلمين وهي مكتظة بالناس، بزعم أن الإسلام أمرهم بذلك، رغم أن القرآن الكريم يصدح منذ ما ينيف على ألف وأربعمئة سنة بأن من سنن التدافع بين الناس حماية معابد بعضهم بعضا.

ولأن القرآن الكريم يحث على العلاقات السلمية بين الناس، بمختلف نحلهم ومللهم، فإنا نجد أن الجماعات الإرهابية التي تمعن في قتل غير المسلمين، وتخريب معابدهم لا تستشهد لأفعالها الدنيئة بالقرآن الكريم، أو بمتواتر الحديث، وإنما تستشهد بمقولات عقدية وفقهية دوّنها أصحابها لحساب سياقات زمنية ومكانية، كان لها حساباتها السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وليست من الدين الحق الذي جاء رحمة للبشر عامة، من آمن به ومن لم يؤمن به.

ولا مناص للخروج من هذه الدوامة التي وضعتنا فيها تلك الجماعات الإرهابية إلا بتسليط أضواء النقد الشرعي والعقلي على تلك المقولات، للكشف عن زمنيتها ونسبيتها وطابعها البراغماتي، والأهم بُعْدُها عن مضمون القرآن الكريم ومتواتر السنة النبوية.