الأمن الفكري مصطلح حديث المولد يحاول صنع مقاسات ثوبه الخاص به، الذي قد يكون بديلا للكثير من الأطروحات التي سبقته كصيغة توافقية مرضية للجميع، منطلقا من ثوابت دينية وفكرية واجتماعية عالمية متعددة، تتألف من رزنامة المُعتقدات والآراء والعادات والتقاليد المختلفة. والتي تشكل في مجملها مجموعة التطبيقات الإنسانية الاجتماعية الواعية وغير الواعية، المحسوسة والملموسة. ومحاولة ابتكار أرضية جيدة لمنظومة فكرية واسعة الطيف تأخذ في حسبانها تعددية المشاركة والرأي.

وأرى أن مشروعا عظيما بحجم (الأمن الفكري) يجب أن يكون التأصيل له متوائما مع قيمته الأخلاقية الرفيعة، وإهمال ذلك قد يتسبب ربما في انهيار نسق فكري بدأ بالتخلق تلبية لنداء الأخلاقيات والوعي الإنساني. لقد أدرك بعض علماء المسلمين كـ(الفارابي، وابن رشد، والغزالي.. وغيرهم) الحاجة الملحة إلى ضرورة التوصل لمنطقة سلام فكرية، من شأنها تعزيز الصوت المتعقل في أجندة التاريخ البشري، وكان (الفارابي) من أوائل المنادين بالمجتمع الإنساني العالمي الذي يسوده التعاون ويحل السلام بين جميع أفراده لتحقيق سعادة الإنسان، منطلقا من قول الله تعالى في كتابه الكريم:

(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).

كما يرى (الفارابي) أن المدينة الفاضلة هي التي تنبذ الصراع، يشيع فيها التعاون بين قاطنيها أفرادا وجماعات. وإن تحقق التعاون بينهم واتسم أهلها بالنظام والعلم أصبحت المدينة فاضلة. وفي القرآن الكريم أعظم مما ذهب إليه الفلاسفة والحكماء في قوله تعالى: (أُدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). كدعوة صريحة لاعتماد ثلاثية سلمية مرتبطة ببعضها. وأدعوكم للتأمل بعمق في الثلاثية التي جاءت في الآية الكريمة، وعظمة الفكر الذي تحمله، وأمر الله باعتمادها طريقا ومنهجا. لكن الخروقات التي يتبناها بعض الأفراد أو الجماعات في الاتجاهات المعاكسة للتيارات الفكرية الأخرى. تُلغي بطريقة ما أو لنقل تتجاوز عن لغة النص القرآني بقسوة وجراءة، وتهمل بطريقة تدعو للاستغراب مضمونها وروحها! إذ أوجدت تلك الخروقات صداعا مزمنا عانت منه المجتمعات على مر تاريخها.

وكانت أيديولوجيا المنهج العدواني أهم رؤوس الفهم الخاطئ لكيفية حسم الجدل والاختلافات الفكرية والعقائدية والسياسية كمفهوم وممارسة وحقوق، وأكثرها تطرفا وبعدا عن المنطق. فمن جهة فكرية تخلفت البشرية عن استيعاب بعضها البعض، لتنجر عبر حقب تاريخية باتجاه نهاية واحدة ـ أعتبرها مأساوية بحق الإنسانيةـ تتمتع بالجرأة على مصادرة حقوق الآخر ونبذه في أقرب نقطة اختلاف في الرأي أو المعتقد! وأسس ذلك لظهور لغة كهنوتية غريبة ليست من ثوابت أو فضائل الدين في شيء. هذه الانتكاسات والأصوات العدائية إنما هي إرث النزعة الفكرية المنحرفة، التي لم تستوعب حقيقة ما تملكه من تراث ديني وثقافي مُبهج. يمكن له أن يعيد إيقاد شعلة التنوير من جديد. إلا أنه على الرغم من فجاجة تاريخ تلك النزعة المنحرفة البغيض وعبر أزمنة غابرة شكلت فيها رأس الحربة لمعتنقيها، لم يلفت ذلك الخطر انتباههم. في مشهد يمثل فشلا ذريعا لحلم تحقيق الأمن الاجتماعي والنضج الفكري.

فها هو التاريخ يعيد نفسه، لتطل برأسها مجددا في العصر الحديث وتعاود صحوتها من جديد. ولكن هذه المرة السلاح بات أقوى وأشد، والرؤوس تتطاير أسرع بمرات عن السابق. والعقول تنحرف بلمح البصر بدعم ومباركة المكائن الإعلامية (اتصالات، قنوات فضائية، إنترنت، وغيرها...). وبات العالم أسرع وتيرة، وأشد ضغطا على العقل والروح والجسد. وهنا السلاح أمضى وأسن. ووفق متغيرات كهذه وحوادث التاريخ الإسلامي السابقة التي تميزت بكثرة دخول الأعاجم إلى صلب المجتمع الإسلامي وتقلباته، فإنه لا بد من الإقرار بأهمية إعادة قراءة تراثنا الديني والثقافي بما يكفل تحقيق نجاح معادلة أطروحة الأمن الفكري. لنحدد على ضوء ذلك معايير تصب في نهايتها إلى فكر وسطي يستوعب المواقف والآراء والأفكار على اختلافها، ويسير باتجاه التفكير الإيجابي جامعا المحاسن ومهتما بالتطوير لا بالهدم.

فما نعتقده اليوم إبداعا ووسطية، قد يتحول مستقبلا إلى موروث يحتمل الخضوع للمراجعة والتقليب وربما خضع للمحاكمة أيضا. وما يؤيد ذلك قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) "أنتم أعلم بأمور دنياكم".

"ما يعني ببساطة أننا لا نعرف الصواب ولكننا نبحث عنه، وربما لن نصل إليه أبدا، وأن الأفكار والآراء والفلسفات جميعها تبقى موضع نظر وتقليب وقبول ورد واعتراض، ولكن لا يجوز إلغاء فكرة، أو منع رأي، فما يبدو اليوم تطرفا قد يكون غدا وسطية، وما يكون اليوم وسطية قد يكون غدا تطرفا".

ولكي تكون آلية عمل الأمن الفكري ناجحة بامتياز مستقبلا، فإنه من الضروري ألا تهمل واجبها تجاه الأجيال القادمة.

وتضع هامشا جيدا يخاطب العقول الصغيرة الناشئة لبناء المستقبل.

بمعنى أن تبدأ من أسفل قاعدة الهرم الاجتماعي الأعرض، والتأكيد على أن الأمن الفكري يحقق التسامح، هو أهم عناصر البناء الفكري الإنساني والاجتماعي. وتؤكده أيضا نظرية هرم (سلم ماسلو) الذي يصنف الأمن بكافة أشكاله كأولوية تسبق التنفس والطعام والماء والنوم في ترتيب سلم الاحتياجات. فأنت وأنا لن نفرد سفرة طعامنا في قعر الوادي، بل سنبحث عن المكان الآمن لنفعل ذلك، وإن أعجبنا جريان الماء وأطربنا.