ليس غريباً أن يتبادَر إلى الذِّهن سؤال عن العلاقة الوجدانيّة التي لا يُمكن صدُّها بين الناس العاديّين والمفكِّرين، حتّى ولو كان هؤلاء مُختصّين في جوانب علميّة محدَّدة. ذلك أنّ الارتباطَ الثقافيَّ للإنسان الفرد بالعالَم يقتضي في كلّ مرَّة أن يتَّجِه المرءُ نحو أفكارٍ تُحاكي أهواءَه في النَّظر إلى الأشياء والوقائع. حتّى أنّ بناء وجهات النَّظر الخاصّة مُمكن أن يكون نقطة البداية تجاه أفكار مُفكِّرٍ بعينِه، يتمُّ التوسُّع فيها وتقويمها وتسييل تطبيقاتها العمليّة على أرض المعيش اليوميّ، بما يَجعل تجديد العلاقة التواصليّة مع العالَم صناعةً عفويّة يمتلكها الجميع، وفي الوقت نفسه إمكاناً اشتغاليّاً للمُفكّرين أنفسهم لإعادة النّظر في سيرورة الفكر اليوميّ واستئناف مِراس التأمُّل القصديّ في الحياة.

عيشٌ في الفهمِ نفسه

وإذا ما عنينا الفيلسوفَ في كلامنا على المفكِّر، فإنّ ذلك ليس من باب مُصادَرة ماهيّة الفكر أو اجتزائها وحَجْبِها عن باقي النّاشطين في الفكر، بل ذلك قائمٌ لأنّ الفلسفة هي الباعِثُ على التفكير الحرّ في الماهيّات نفسها استجابةً لمشهد الحراك الدائم في المفاهيم. فالمفاهيم تتبدَّل لأنّ أرضيَّتها التي تنبتُ فيها تميدُ محدِثَةً خَللاً وزوغاناً وحراكاً يقتضي التعديل المُمكن. وإعادة بعْثِ المعنى في المفهوم هو وعي الأرضيّة المائدةِ بدلالةٍ سانحةٍ الآن في العلاقة بين الكائن والكينونة، إذ إنّ العالَمَ يستمِرُّ لحظةً حدثيّة مرهونةً للتأمُّل والنّظر والبيان في خاطِر الفيلسوف. يقول هايدغر: "إنّ الفكر يفعلُ من حيث إنّه يفكِّر. ومن المُحتمل أنّ هذا الفعل هو الفعل الأكثر بساطةً والأرقى في الوقت نفسه، لأنّه يخصّ علاقة الكينونة بالإنسان. الحال أنّ كلَّ فعل إنتاج يُقيم ضمن الكينونة ومنها ينطلق نحو الموجود. على خلاف ذلك، يظلّ الفكرُ تحت طلب الكينونة كي يقول حقيقة الكينونة، يُنجز الفكر هذه المهمّة. الفكر التزام من قبل الكينونة، ومن أجلها" (مارتن هايدجر، الفلسفة، الهويّة والذّات، ترجمة محمّد مزيان وتقديم محمّد سبيلا، 2015، ص 119). إذاً، وظيفةُ الفِكر في ذاتِه، أي في إبقاء المفكِّر حاضراً في رعاية الكينونة، فلا يتماهى بأيّ موضوعٍ أو علمٍ أو هويّة جامدة، أي ليس من شأنه الانطلاق نحو الموجود، لأنّ ذلك ينقله إلى حال المفعوليّة، شيئاً مفكَّراً فيه. فالتفكير لا يُمكن أن ينتهي، لذا هو عيشٌ في الفهمِ نفسه وليس في المفهوم؛ أي إنّ التفكير هو الذي يُحدِثُ العِلم كلّ مرّة فـ "العِلم لا يفكّر... [وهو] لا يستطيعُ شيئاً من دون الفكر، شأنه في ذلك شأن كلّ أفعال الإنسان وسلوكه" (مارتن هيدجر، التقنيّة - الحقيقة - الوجود، تر. محمّد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، 1995، ص 192)، العلمُ مفعول الفكر، أمّا الفكر فهو الفكرُ.


اعتزال الناس

من هنا نفهمُ أنّ العلاقة بين الناس والمفكِّر، لا تُشبه علاقة المفكِّر بالكينونة، إذ إنّ إقامة المُفكِّر في الفكر هي التي تحدِّدُ علاقته بأشياء العالَم، ومن ضمن هذه الأشياء المُجتمع الذي هو فيه. أمّا الاشتراكُ العملاني في هموم الناس وصنائعهم، فهو إلهاءٌ عن التفكير الجدّي بالمفهوم الأساس في كينونة هذا الاجتماع الإنساني نفسه وهو الإنسان. نعود في هذا السياق إلى أفلاطون الذي ميَّز بين الفيلسوف المنشغل الدائم بالفكر، والإنسان العادي المنشغل الدائم بالعمل: "الفيلسوف... الذي تربّى في حضن الحريّة والفراغ، لا يجب أن يُلام لكونه يظهر ساذجاً لا يصلح لشيء، عندما يواجه أبسط الخدمات (...) وذلك [العامّي] قادرٌ على أن يقوم بها، بكلّ مهارةٍ وإتقان، ولكنّه لا يستطيع أن يرتدي ثيابه على طريقة الرجال الأحرار، ولا أن يتذوَّق ما في الحديث من بلاغةٍ وبيان، ولا أن يتغنّى كما يجب بالحياة الحقّة التي ينعم بها الآلهة وسعداء البشر" (محمّد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، التفكير الفلسفي، سلسلة دفاتر فلسفيّة، 2008، ص 31).

وقد وثَّق ابن باجه هذه العزلةَ لأجل التفكير في العِلم النظري، إذ رأى أنّ من واجب المتوحِّد "أن يَعتزل الناسَ في جملة ما أمكنه، ولا يُلابسهم إلّا في الأمور الضروريّة أو بقدر الضرورة" (ابن باجه، ت 533 هـ، تدبير المتوحِّد، تحقيق وتقديم معن زيادة، 2012، ص 154).

احتواء صناعة الاتّجاهات الفكريّة

نُلفِتُ في هذا السياق إلى ما أشار إليه محمّد شوقي الزّين في الجزء الأوّل من "نقد العقل الثقافي" من سيرورةٍ منهجيّة لا بدّ من خوضِها إحرازاً للوعي المُمكن بالقضايا المبحوثة، وذلك انطلاقاً من الهمِّ الفكريِّ أوّلاً، بعيداً من تطبيقاته التي تُعيق الفَهم. وبذلك يكون قد نأى في إبداعه لفلسفة الثقافة وتكوينها واستعمالها عن أن يقعَ في شَرَكِ تمثُّلات الهُويّات القَبليّة التي تحدُّ من انفتاح المفهوم على ظاهراتيّة فهمه. لذا لا سلطةَ لاستعمالٍ يسبق اشتغال المرء على تكوين ذاتِه لبناء تصوُّرٍ للعالَم. يقول: "أؤمن بأنّ الانطلاق من المفهوم للاشتغال عليه هو الذي يتيح الوصول إلى درجةٍ من الوعي الذاتي بالوضع الوجودي والحضاري، وليس الانطلاق مِن الهويّة أو القوميّة أو المذهبيّة للوصول إلى المفهوم... [إذ لا بدّ من الارتقاء] إلى الحصافة النظريّة والمسافة النقديّة الضروريّة لكلّ علاقةِ ذاتٍ بذاتِها على سبيل التباعُد المؤسِّس... التعويل على المفهوم هو الاشتغال في أُفق الرؤية الواسعة ذات الأبعاد الكونيّة والترابُطات الإنسانيّة" (محمّد شوقي الزّين، فلسفة التكوين وفكرة الثقافة الثقافة ونظريّة البيلدونغ، 2022، ص 10 - 11).

ولمَّا كانت العلاقة بالمفكِّر تؤدي إلى تغييرٍ في السلوك، فإنّ العناية بهذه العلاقات البَيْنيّة الدوَّامة تستلزم التخطيط المؤسَّسي لاحتواء صناعة الاتّجاهات الفكريّة والتيَّارات الثقافيّة المُمكن انبعاثها نتيجة هذي المناحي الحرَّة. نرى هنا أنّنا نتحدَّث عن أخلاقيّة العلاقة بين المفكِّر والناس، إذ إنّ مسألة الحريّة هي التي تحكُم مضامين الانشغال الفكري العفوي، بما يَجعل التفاعلَ لا يقتصِرُ على الحماسة في الانشغال فحسب، بل العناية بصورة الذّات المُتفاعلة في انشغالها. وإنَّ التفاعل هنا هو ابتداء مغادرة حال السطحيّة إلى حال الاهتمام طمعاً في الانهمام والتفكُّر. لذا إنّ عملاً مؤسَّساتيّاً هو الكفيل بإجراء هذا الانتقال النوعي من حال السذاجة إلى حال التأمُّل الفكري العميق. والتخطيط هو سمة المفكِّر في ابتكار التواصُل النّافع بين الأفراد، كلٌّ في موضعه، إذ ليس من شأن الناس التخطيط لتطبيق الفكرة، بل عليهم الإمعان في التلقّي حتّى تنمو إمكانات العلاقة الفاهمة للأفكار نحو بناء القدرات اللّازمة والواعية لاقتبالٍ نافعٍ لأفكار المفكّرين. يقول فتحي المسكيني: "من أجل ذلك على كلّ تفكير أن يخضعَ لإمكانيّة السؤال مهما كانت مؤلمة أو متوحّشة أو مُتنمّرة. ليس كالسؤال ضمانة لسياسة المعنى التي يرتئيها كاتبٌ ما. وعلى الرّغم من كلّ ادّعاءات بعض العدميّين، فإنّه لا أحد يفكّر "وحده" أو من أجل وحدته. فبمجرّد أن يبدأ في التورُّط داخل لغته، تنزلق "النَّفس" في "أنفاس" الآخرين من دون أيّ حماية أو ضمانات مسبقة. ليس هناك هويّة جاهزة لِمن يُفكّر. ولا يعني ذلك أنّه قد اعتزلَ أهله أو تخلّى عن آلامهم. بل فقط: إنّه غيَّرَ علاقته بانتمائه، إذْ دفعَ به إلى تجريب احتمالاتٍ أخرى للكينونة في العالَم ليست أبداً غريبة عنه" (فتحي المسكيني، "ما معنى "مفكّر"؟ – تمارين في مُحاورة الآتي".

في هذه التفاعليّة الحرّة، لا بدّ من تأسيس الحرِّيّة استناداً إلى الاقتران الضروريّ بين العِلم والثقافة، أي بين صناعة الهويّة الثقافيّة للذات الفرديّة من جهة، ومستوى هذه الذات في التعبير عن أفكارها المُتشكِّلة تباعاً من جهةٍ أخرى. ذلك أنّ تحويل الأفكار من مجال الوجود العشوائي إلى مجال الانتظام الحرّ في مشهَدٍ معيش، قد يشوبه التلقّي الأيديولوجي للأفكار، وذلك باستعجالِ قول الآراء وتثبيتها على الظاهرات الاجتماعيّة الحيّة، وهذا ما لا يريده الفيلسوف - المُفكِّر. وفي ذلك سحْقٌ لمراحل التفكير الهادئ التي تُخضِع الأفكارَ دائماً إلى معايير التقدير الشَّيْمِيِّ للواقع، حيث إنّ إبقاء الأفكار قيْدَ التأمُّلِ الاستشرافي كلَّ الوقت هو الذي يحفظ حريّة الفرد واستقلاليّته في الجماعة التي ينتمي إليها.

التشكّلات الهازئة بالفكر

وإنّ جدارة الأفراد في وعي السيرورة الحرَّة للفكرة من منابع تلقِّيها العفوي مروراً بمَسارات تأمُّلِها القصدي، وفي بناء الجماعات النافعة في صناعة الأخلاقيَّات الثقافيّة الرّاهنة تكون في منعْ اجتزاء الفَهمِ بإشراكِ العوامّ في صناعة الرأي، لأنّ في هذه الخطوات الناقصة تتكوَّن الأنظمةُ السياسيّة الفاشلة. تلك التشكُلات الهازِئَة بالفكر والفلسفة التي لا تعرف قيمة الحريّة في الإدارة العمليّة، إذ تلجأ إلى القمعِ الجسدي للأفراد، وترتجلُ الحلولَ اعتقاداً منها أنّها ترعى الجانب العملي التطبيقي للأفكار الكبرى. هنا تغادِر الفلسفة بشجاعتها فسادَ المشهَد، وتستأنِفُ تأويلاتِها لإبداع فَهْمٍ يُجاوزُ الموجود. لذلك نرى فلسفةَ السلامِ لا تفرضُها السياسات بعد حربٍ واقتتال، بمُعاهداتٍ غالباً ما تفشلُ، بل هي استشكالٌ لمشهديّة الحرب واستئنافٌ لفَهْمِ الخير التاريخي وإيطانٌ لمفهوم السِّلم الرّاهن. وهذا ما يكون بالفكر، أي باستحضار الكائن في الحدث. ففلسفة الحقِّ في فلسطين، مثلاً، لا تأتي ردَّ فعلٍ على الاعتداء الأخير، بل يجب أن ينبعث وعيٌ بإرساء مفهوم كونيٍّ للحقّ يمنع العداوة، ويعزِّزُ العدالة والمساواة، ولا يبَرِّرُ قيَمَ الشرِّ تحيُّزاً للمُعتدي، فالفلسفة لا تَقبل تبريرَ الخطأ بل تسوِّغُ للفهم والتأويل.

إذاً، علاقة الناس بالمفكِّر اليوم عليها أن تُغادِرَ حالاتِ التلقّي الانفعالي التي جسَّدَها البثُّ الأيديولوجي، كما فعلت الأحزاب ببنائها جماعات خاصّة داخل الجماعات الكبرى، حيث نَجِدُ الأفكارَ التي يتداولها المُتحزِّبون لا تخدُم البنية الثقافيّة التاريخيّة للمُجتمع، بل تُحاول إقحامَ نفسها على قدْرِ استطاعتها في الهَيْمَنة والتأثير. إنّ المفكِّرَ لا يبني جماعةً وأتباعاً، بل يُطلِق فهمَهُ الجديد بين الفهوم الموجودة. وهنا يكمن الفَرق بين التأمُّل الحرّ في الأفكار المبنيّة على وعي العلاقة بين علميّة الفكرة وثقافتها، والانتماء الأيديولوجي للفكرة في منبعِها من دون إقامةِ أيّ اعتبارٍ لمَسارِها اليومي في المجتمع المُتفاعِل معها.

إنّ الحاجة إلى تظهير فكرٍ حرٍّ يواكب سيرورة الحدث، عربيّاً، تقتضي وعي الحيثيّة الجامعة بين هذا المفكِّر الموجود عندنا والمُجتمع لإنجاز الذّات النبيلة. فلم يَعُد مُمكناً أن يكون الفكر غير معنيٍّ بعيان المفاهيم وإخضاعها لسيادة الذّات المُفكِّرة، فوعي اليوم ضروري لحَجْبِ إمكان انفصام الرؤى الذي يحصلُ من طريق خلْط الفَهْم والتحليل والتفسير لكلّ ما يجري بتركيبةٍ تأويليّة من خارج المشهد، بإسقاطاتٍ وتوصيفاتٍ وآراءٍ مسبقةٍ أو تكهُّنيّة على حوادث يجب التعامل معها بجدارة، استذكاراً واستشرافاً. إنّ التبصُّر لإنجاز الفهم القادر على تجاوُز المشكل هو الخطوة التي ينتظرها إنسانُ اليومِ من المفكِّر الرّاهن.

*كاتب وأكاديميّ من لبنان

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الإلكترونية.