يهدينا القرآن كثيرا من جواهره من خلال القصص القرآني واستعراض الأحداث في أنساق لغوية جميلة، وتصويرها تصويرا ملهما يجعل القارئ يعيش الحدث ويتخيل نفسه فردا من أفراده، ففي أكثر من موضع نجد القرآن يشير لأهمية القصص "نحن نقص عليك أحسن القصص" و"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"، ولعل سيد قطب في كتابه التصوير الفني في القرآن يأخذنا إلى أبعاد جمالية ومفاهيم تستحق الوقوف عندها، إذ إن القرآن يأخذنا أحيانا عند سرد هذه القصص في لقطات متتابعة للحدث ونتائجه وبدايته ونهايته والعبرة منه مختارا المحطات الأهم على تباعد أزمنتها، بحيث نخرج في كل مرة نطلع فيها على القصص القرآني بمفاهيم جديدة وأبعاد تأملية رائعة.
يلهمني الحديث عن القصص القرآني أن أتحدث عن استغلال التصوير السينمائي لهذه القصص وعرضها في أسلوب عصري يصل بها لأفهام الناس وفقا للغة عصرهم، وهو ما نحتاج لأن نوليه اهتمامنا، فنحن (معشر المسلمين) لم نول الإنتاج السينمائي المتخصص في هذا الباب ما يستحق من الاهتمام، على الرغم من عمق أثره وفعاليته في إيصال الصورة الحقيقية للإسلام. وباستثناء بعض محاولات جادة أكاد أعدها على أصابع اليد الواحدة، فإن معظم إنتاجنا السينمائي أوالتلفزيوني في هذا الباب لا يرقى للمستوى اللائق بل يكاد يرسخ صورا سلبية عن الإسلام والمسلمين من خلال رداءة الجودة للمحتوى والإنتاج.
فيلم الرسالة كان وما زال هو البصمة الأهم في هذا الباب على الرغم من مضي ما يربو على الخمسة والثلاثين عاما على إنتاجه وعرضه للمرة الأولى عام 1977، وعلى بعد المدة الزمنية واختلاف المضمون والإمكانيات فإن الفيلم الوحيد بعد الرسالة (في ظني) الذي يرقى لأن يقارن بالرسالة هو فيلم (الرحلة إلى مكة) من إنتاج ناشيونال جيوجرافيك، الذي يتحدث عن رحلة ابن بطوطة منذ 650 عاما في القرن الرابع عشر من طنجة بالمغرب وعبر الصحراء على امتداد آلاف الأميال إلى مكة لأداء الحج، حيث يعرض الفيلم للمخاطر والصعاب التي تعرض لها ابن بطوطة خلال رحلته الطويلة ويمزج بين الصورة التي كان عليها الحج في الماضي وتلك التي يبدو عليها الآن من سهولة ويسر، ويعرض الفيلم كل الأعمال التطويرية في البنية التحتية لمناطق الحج، ويشرح الفيلم الأهداف النبيلة للحج لغير المسلمين ولمسلمي الخارج خطوة بخطوة من خلال حديث ابن بطوطة نفسه كما دونت في مذكراته.
كان تعرفي إلى الفيلم أول مرة في الكويت حين حضرته في المركز العلمي لمشاهدته بمعايير الآيماكس ذات الوضوح العالي، وكم خرجت من الفيلم منتشيا وحزينا في ذات الوقت. فالفيلم أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه رائع بكل المقاييس بدءا من التصوير عالي الجودة وروعة الإخراج وقوة السيناريو ودقة المعلومة وعدم الإسفاف بالزج بالمرأة في الفيلم بشكل غير لائق، إلى روعة التمثيل والأداء للممثلين الذين أخص منهم ذلك الشاب الرائع شمس الدين زينون الذي توفي في حادث سير بعد أن أتم التصوير، فقد كان كل مشهد من المشاهد يصل حد الغاية من الدقة في كل بعد من أبعاده. أما ما أحزنني في الفيلم هو قراءة التتر في آخره وأوله إذ رأيت أن الإنتاج والتصوير والمبادرة كلها كانت من قبل أناس غير عرب وغير مسلمين أيضا، حتى ظننت لفترة أننا حتى في هذه ما زلنا ننتظر المبادرة من الغرب.
الصدفة وحدها جمعتني بالعم الفاضل عبدالرحمن الزامل قبل أسبوعين ليشفي لي غليلي ويذهب عني شيئا من حزني، إذ روى لي ما لم أكن أعرفه عن الفيلم وكم الجهد والمعاناة للوصول به إلى ما وصل إليه من جودة وإتقان.
فعلى الرغم من أن المبادرة كانت من ناشيونال جيوجرافيك كما أسلفت تحت إشراف رئيسها المنتج العالمي جاك إيبرتس (الذي أنتج فيلم غاندي وأفلاما أخرى حازت على 35 جائزة أوسكار) وكذلك المنتج الأميركي تاران ديفيز والبريطاني دومينيك رايد، إلا أن هذه المبادرة كانت أول ما بدأت مع مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة (يعني من مملكتنا الحبيبة ووطننا الغالي). وكعادة المملكة في أن تبقي خيرها مخفيا، وتنزها عن أن يكون الفيلم عبارة عن دعاية حكومية، تم التنسيق مع المنتجين أن يمول هذا المجهود مستثمرون من القطاع الخاص حيث قام عدد من خيرة رجال الأعمال السعوديين والكويتيين والمغاربة بذلك كما ساهم في دعم الفيلم رجال أعمال من أميركا وكندا. لقد كلف الفيلم حوالي 16 مليون دولار تمت تغطيتها بالكامل من قبل القطاع الخاص، بدعم ورعاية حكومة المملكة التي وفرت للفيلم وطاقمه الاحتياجات العينية واللوجستية اللازمة ليخرج بالصورة التي خرج بها.
تم الافتتاح الرسمي للفيلم وعرضه لأول مرة في الخبر في المملكة العربية السعودية، وبعدها بدأ عرضه في جميع أنحاء العالم في أكثر من 50 دولة حتى الآن، وشاهده حتى الآن أكثر من مليون مشاهد هذا العام، وتمت ترجمته إلى عدة لغات منها العربية والإنجليزية والفرنسية والروسية والتركية، وحصل على عدد من الجوائز العالمية.
يقول الدكتور عبدالرحمن الزامل: "إن تعاوننا المشترك كرجال أعمال في نشر الفكرة الصحيحة عن الإسلام ووسطيته من خلال هذه التقنيات الرائدة لهو أفضل أسلوب للوصول لعقول وقلوب الأصدقاء والأعداء على حد سواء، ولقد صرفنا حوالي 60 مليون ريال كعائلة مع أصدقائنا من الكويت والمغرب والولايات المتحدة لقناعتنا بقوة هذا الأسلوب الإعلامي للوصول لعقول الجميع وكلنا أمل في أن تشاركونا في توسيع قاعدة توزيعه في المنطقة الخليجية والعربية والإسلامية للوصول للمقيمين وخاصة غير المسلمين وكذلك للنخبة من عالمنا الخليجي والعربي والسعودي".
لا أملك إلا أن أقول "صح لسانك يا دكتور" وأن أثني على دعوتك بالدعوة لإنشاء صندوق وقفي يهتم بهذه الأعمال ويخرج بها من دائرة الضعف إلى دائرة المنافسة على الجوائز العالمية.
تغريدة: تعلم لغة أخرى يتيح لنا المجال لأساسيات التواصل ولكنه لا يعني المقدرة على فهم أصحاب اللغة الأخرى أو إفهامهم بشكل تام! فذلك يتطلب معرفة ثقافتهم.