أدى الحضور الشرس لـ "نحن" الأولى من قول "الكلباني" للصبي: "...فتكون في نفس معاناتنا" ـ وهي "نحن الصحوة" ـ إلى نشوء مستويين من الـ"نحن"آآت المزيونات هما: "نحن المخالف العلني"، ولم تترك له "نحن الصحوة" أدنى فرصةٍ للظهور، فسحقته تماماً بالإقصاء والتكفير، كما لو تسحق عصفوراً بـ"البازوكا"! ففصل طلابٌ من جامعاتهم، ومعلمون، وأساتذةٌ أكاديميون، ونُحِّي مديرو أقسامٍ، وأئمة مساجد، كل أولئك لـ"وجود بعض الملاحظات والمآخذ الشرعية عليهم"! وهي ملاحظات ومآخذ تتدرج من حلق اللحية، وإسبال الثوب، والتأخر عن صلاة الجماعة، إلى التعامل مع البنوك "الربوية"، واستماع آلات اللهو والطرب، إلى قراءة ومناقشة أفكار "تركي الحمد"، و"عبدالله الغذامي"، و"سعيد السريحي"، و"حمزة المزيني"، إلى موالاة من حادَّ الله ورسوله من التيارات الأخرى!!

ولم يكن يقوم بهذا السحق أفرادٌ بأعينهم، بل نجحت "نحن الصحوة" في خلق بيئة عامةٍ طامةٍ يسير فيها "التيار" كسيلٍ "ميكافيلِّي" هادرٍ، يتلوى مع مختلف التضاريس وفق مبدأ: "الغاية تبرر الوسيلة"! وهي البيئة التي حصرت شعيرة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في جانب" النهي عن المنكر"، وجعلتها فرض عينٍ لا فرض كفاية، وقد عرفت سلسلة أشرطة طويلة لأحد منظري وخطباء التيار بعنوان: "افعل ماتراه مناسباً"! وهي العبارة التي كان يحمِّس بها العامّة من الشباب تحديداً؛ لتكسير آلات اللهو، وإحراق محال الفيديو!

هذه البيئة المرعبة الرهيبة كان لابد أن تؤدي إلى نشوء الـ"نحن" الثالثة الأخطر، وهي الشريحة الصامتة خوفاً من هذا السحق، والخوف لابد أن يؤدي إلى "النفاق"، الذي مردنا عليه ـ إلا قليلاً ـ فجعلنا التقوى أقنعة شكلية نمارس تحتها ما نشتهي؛ فترانا ـ مثلاً ـ نسمع الأغاني، فإذا اقتحم علينا "الجو" أحد "المطاوعة" أغلقنا ماكنا نسمع لاشعورياً! ولا تسقط هيبة ذلك "المطوع" إلا إذا صادفناه خارج الحدود، وقد تخلص من الأقنعة؛ لنكتشف أنه مثلنا يظهر ما لا يبطن!

والنفاق لا يألو المجتمع خبالاً، فهو كالسوس ينخر الأسس في الظلام، فلا تشعر به إلا وقد انهار البناء، وهو ما يفسر ذهولنا على مختلف الأصعدة، من وجود أبناءٍ لنا من الإرهابيين الانتحاريين، الذين لم يستثنوا وطننا من أهدافهم، بل بدأوا به، ولم يستثنوا منه الحرمين الشريفين مكاناً، ولا رمضان والحج زماناً!

وقد كتب الدكتور/ "عبدالله الغذامي" مع بزوغ أولى هذه العمليات الانتحارية في بلادنا، عن خطورة "الصمت" وعدم إعلان الرأي، مهما كان مخالفاً! ومن هنا يبرز الدور المهم لصحيفة "الوطن"، في نشر مختلف الآراء التي يعتلج بها رحم المرحلة الحبلى بكل الاحتمالات! ويتجلى القرار التاريخي بإنشاء "مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني"؛ لتضييق مساحة "الصمت"!