في القطاع الخاص يهتز كرسي المدير العام والرئيس التنفيذي حينما تقل أرباح الشركة، ومن المؤكد أن نفس الكرسي يهتز إلى درجة سقوط من عليه يوم أن تخسر الشركة، فالمسؤول هنا معني بتحقيق أهداف الشركة وهي أهداف مكتوبة ومعروفة ومحددة، ولهذا هو يعمل طوال ساعات اليوم وطوال أيام السنة ليتمكن من إثبات جدارته بالمهمة التي أسندت إليه، وعندما يتمكن من تحقيق المبتغى حتما سيستمر في منصبه وستستمر كل المزايا المرتبطة بذلك الكرسي.
في القطاع الحكومي تغيب معادلة قياس الكفاءة بالإنتاج وتحقيق الأهداف، ولهذا يظل مثلا مدير مرور مدينة ما في منصبه لعدة سنوات رغم أن حصيلة الموتى بسبب الحوادث المرورية في تلك المدينة التي يدير مرورها تزداد عاما بعد عام، بل الأغرب من ذلك أن مسؤول المرور هذا تأتيه ترقياته (أوتوماتيكيا) وفقا لسنوات الخدمة ولا يمكن ربطها بما قدم من عمل وما إذا كان أضاف شيئا جديدا لعمله أو سعى لتطوير القطاع الذي يعمل به، أو ما إذا كان على المستوى الشخصي قد رفع من قدراته ومداركه في مجال عمله.
وبالتالي يظل هذا المسؤول خاملا ساكنا، ومع مرور السنين يسجل تراجعا في أدائه لأنه لم يشعر قط بأي خوف على كرسيه أو على دخله المادي رغم كثرة الحوادث وكثرة الموتى وكثرة شكاوى الناس من الاختناقات المرورية وفوضى السير في الشوارع والطرقات وسوء إجراءات وآليات العمل في إدارته.
اخترت المرور مثالا فقط لأتمكن من إيصال الفكرة فيما يحدث في إدارة المرور، وحالة الاطمئنان التي يعيش فيها مدير المرور هي حالة مكررة تحدث في جل القطاعات الحكومية، والنقيض يحدث في جل القطاعات الخاصة، والسبب بكل اختصار أن أموال القطاع الخاص هناك من يسأل عنها ويخاف عليها، وأموال الحكومة لا أحد يسأل عنها ويخاف عليها رغم كثرة الهيئات والإدارات التي أنشأتها الدولة بهدف الرقابة والمحاسبة.
وفي ظني أن التعجيل في التخصيص لأكبر قدر ممكن من قطاعات الدولة هو الحل في تقديم خدمات أفضل وبجودة عالية وبتكاليف أقل، ثم إن هناك حاجة ملحة وعاجلة لتغيير العديد من أنظمة الخدمة المدنية ليكون قياس الكفاءة بالإنتاج وليس بالخبرة فقط، خاصة وأن جل المجتهدين والمبادرين يشكون من أن النظام لا يخدمهم فهو يساوي بين من يعمل ومن لا يعمل، بل أحيانا من لا يعمل يحظى بقبول وترقيات أفضل ممن يعمل!