يحكى أن شابا اشتهر بنشر الشائعات في قريته الصغيرة، عن رجل مسن يعيش في أطرافها، فكل يوم يتحلق الناس حوله ليستمعوا لقصصه ورواياته المكذوبة التي يعززها صمت العجوز عنه وعن تفنيدها. استيقظ الشاب يوما فزعا من حلم راوده بأنه لا بد أن يعتذر لهذا المسن وأن يتدارك ما يمكن إصلاحه. ذهب الشاب وطرق باب العجوز واعتذر له بكل صدق، وأصر على أن يقوم بما يلزم لتحسين سمعته، وقبل أن يقبل المسن اعتذاره طلب منه القيام بأمر غريب. مد العجوز للشاب وسادة من الريش وطلب منه أن يأخذها إلى قمة الجبل وأن ينثر ما بداخلها من ريش باتجاه الريح وبعدها سيتحدث معه ليقبل اعتذاره. استغرب الشاب من طلبه هذا ولكن رغبة منه في التكفير عن ذنبه والضرر الذي ألحقه به، ذهب ونثر الريش وعاد مرة أخرى للعجوز حتى يصفح عنه. استقبله المسن حين عودته وقال له سأسامحك عند جمعك الريش كاملا وإعادته داخل الوسادة، حينها علم الشاب أن الشائعة وما يترتب عليها من ضرر لا يمكن إصلاحه بمجرد الاعتذار. هذه القصة تدفعنا للتساؤل، ماذا لو أن الرجل المسن قام بالرد وتفنيد شائعات هذا الشاب الطائش من البدء، ولم ينتظر صحوة ضمير أو حلما ليوقظه من فعله المشين؟
انتشرت شائعة نهاية الأسبوع الماضي مفادها أن الدفاع المدني سيقوم بتجربة صافرات الإنذار وانتشرت الرسائل بشتى الطرق والوسائل، ولعل الانتشار الأوسع لها كان عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.
تم نفي هذه الشائعة بشكل سريع من قبل الدفاع المدني على لسان الناطق الإعلامي للمديرية بإشارة صريحة لرسائل الواتس آب ومواقع التواصل الاجتماعي. وبغض النظر عن الدافع النفسي الفردي والمجتمعي لإطلاق هذه الشائعة، إلا أن التفاعل السريع من قبل الدفاع المدني هو تفاعل جميل ويشكرون عليه، ولكن المديرية لم تتوقف عند هذا النفي. بدأ حساب الدفاع المدني على موقع التواصل الاجتماعي تويتر بالتفاعل بمستوى مهني مع الجمهور، مع العلم بأن الحساب أنشئ منذ بدء العام الميلادي 2012.
التغيير النوعي في طبيعة التفاعل والتواصل وإجابة استفسارات الجمهور جدير بالإشادة، خاصة عندما تقوم بمراجعة نشاط الحساب في بداياته حينما كان يستخدم كشريط أخبار للمديرية. لا أعلم حقيقة من يدير حساب الدفاع المدني على تويتر ولكن ما أعلمه أنهم يقومون به بمهنية قد تصل لاحترافية من خلال بعض الردود، كالمرة التي سألهم أحد المتابعين عن عدم ملاحقتهم لمن يقومون بالاتصال برقم الدفاع المدني 998 وإلقاء الشتائم والبلاغات الكاذبة والاكتفاء بالرفع بهم لإمارة المنطقة. حينها أتى رد حساب الدفاع المدني احترافيا: "الدفاع المدني ليس من أولوياته البحث عن كيف يعاقب، بل من أولوياته سلامتكم وأمنكم، فهذا ما يسعى إليه ويكرس رجاله جاهدين بذلك".
هذا الوعي التفاعلي من قبل قطاع حيوي ومهم كالدفاع المدني يعد قفزة، مقارنة بكيفية تواصل القطاعات الحكومية الأخرى، فحساب وزارتي التعليم العالي والعدل، على سبيل المثال، لم يتفاعلا مع أي متابع منذ إنشائهما العام الماضي، ليعكسا استمرارية ثقافة قديمة مسنة من قبل أغلب الوزارات والقطاعات الحكومية متمثلة بالإرسال من دون استقبال.
انضمام القطاعات الحكومية لقنوات التواصل الاجتماعي بشكل تفاعلي ثقافة جديدة وشابة بدأت بها عدة قطاعات، فوزارتا التجارة والصناعة والصحة حرصتا على توثيق حسابيهما في موقع تويتر، وهو ما تشير إليه علامة الصح الزرقاء، في دلالة على مهنية وجدية في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ودلالة على فهم للوسائل التي أصبح يستقي منها المجتمع وأفراده أخباره وشائعاته.
لكل وزارة وقطاع حكومي أهميته، ولكن هناك عدة أسباب لتسليط الضوء على الدفاع المدني والإشادة بمجهوده، لعل أهمها أننا نتطلع للمزيد والأفضل منه ولتأثير جودة أدائه مباشرة على المواطنين. هذا القطاع الذي ـ غالبا ـ ما تم وضعه أمام فوهة مدافع النقد والتقريع في حوادث عدة، في تغييب لحقيقة احتياجاتهم وطلباتهم المتكررة للتدريب والتجهيز، وتغييب لحقيقة سوء البنية التحتية للشوارع وقوانين المرور التي لا تساندهم ولا تساند من أراد مساندتهم من الجمهور، وتغييب لحقيقة أن هذا القطاع الحيوي ما زال مديرية. هذه الحقائق لا تبرر الخلل أو القصور في أدائهم أحيانا، وإنما هي عوامل مهمة تؤخذ في الاعتبار لرسم خطة حقيقية لتطوير وتحسين أدائهم حتى يقارب سقف توقعات المواطنين.
قام الدفاع المدني هذه المرة بالرد على الشائعة، بل وتجاوزها بحرق الريش قبل أن تنثره الرياح، فيما ينام البقية على وسادة من ريش.