غريبة طبائع الشعوب من حيث العفوية والتسليم والطاعة. وهي الصفات التي تجسدت وبرزت ماثلة للعيان في أفواج الناس المتقاطرة أفواجا في المدن والمحافظات السعودية لتبايع ولي العهد الجديد، الأمير سلمان بن عبدالعزيز.
المعروف عندي أنه لا أحد أجبر أحدا على الذهاب، ولم يعاقب أحد أحدا عندما لم يذهب للمبايعة خلال كل المبايعات السابقة، لكن مع ذلك فقد امتلأت الشوارع المحيطة بقصور أمراء المحافظات بالبشر الذين جاؤوا للمبايعة.. فما الذي أجبرهم لتنكب هذه المصاعب والازدحامات المرورية والبشرية تزامنا مع حرارة الصيف اللاهبة؟ وإن كانت درجة الغرابة تطال الإنسان العادي والسوي لذهابه دونما قسر فإن الغرابة تزداد أكثر عندما ترى أن عددا من المعاقين جسديا أو الرجال المسنين هم ممن قد وقفوا في صفوف الطوابير انتظارا للمبايعة. فإذا علمت أن هذه المبايعة لا يتبعها منفعة ظاهرة أو باطنه فإن الاستغراب يمد حباله إلى أقصى حدود الدهشة.
إذا فالناس تذهب للمبايعة من تلقاء نفسها بدون إجبار أو إكراه، وبدون أمل أو رجاء، وهم- هكذا - يذهبون لا يدفعهم نفاق أو رياء.. وكيف يكون دافعهم رياء أو نفاقا وهم مواطنون عاديون لا يعرفهم الأمير، وهم كذلك لا يعرفون الأمير شخصيا وإنما من خلال كونه شخصية عامة يرون صوره ويسمعون كلامه عبر الصحف أو الإذاعات، لكنهم مع ذلك يشمرون عن عزيمتهم ويذهبون للمبايعة.
لعل الأمير سلمان يعرف شخصيا من المبايعين ألفا أو ألفين أو أكثر قليلا أو أقل قليلا، لكن المبايعين مع ذلك هم بمئات الألوف أو أنهم أكثر إذا وضعنا في الاعتبار أن المبايعة تتم في كل محافظات المناطق.. فلماذا جاء للمبايعة من يعرفهم الأمير ومن لا يعرفهم؟!
إنها إذا عفوية التسليم بمن اختاره ولي الأمر. وهذا هو الترشيح والانتخاب التلقائي الذي يمارسه حشد السعوديين في أجلى صور التصويت وعفوية الاختيار الذي جاء استجابة للشواهد الكبيرة والإنجازات الواضحة التي لمسها المواطن من الأمير سلمان خلال عقود طويلة، باشر فيها إدارة الملفات الكبيرة في العمران والسياسة والعلاقات النوعية والعريضة مع النخب الثقافية والإعلامية والسياسية في الداخل والخارج، إضافة إلى إحاطته بهموم الناس الصغيرة والكبيرة، وتواصله الدائم مع أبناء وطنه من خلال كونه موسوعة معرفية في الأنساب والمناطق والتاريخ.
منذ أن توفي الأمير نايف بن عبدالعزيز إلى رحمة الله والناس، كل الناس، تتحلق حول شاشات التلفزيون تنتظر وباسترخاء ويقين تام اختيار الأمير سلمان خلفا لسلفه.. فكيف تشارك الناس، كل الناس، مع خادم الحرمين الشريفين في اختياره للأمير سلمان وليا للعهد؟!
إنها روح الأسرة المتحدة في هذا الوطن، وإنه توارد الخواطر بين القائد وشعبه بما يعبر عن تلمس القائد لرغبة الناس، وقبله توقع الشعب وإحسانهم الظن بملكهم في أنه سيختار الأجدر والأكفأ.
والأمير سلمان بن عبدالعزيز يشتهر عند عارفيه - وكلُُ يعرفه - بالانضباطية والالتزام الصارم بالوقت في الدوام والزيارات والافتتاحات وفي كل نشاطاته الداخلية والخارجية، وعليك أن تضبط ساعتك على حضوره لأي مناسبة، لأنه ملتزم عجيب في هذا الأمر على نحو، ويدلك على حزمه وجديته، إذ إن الاهتمام بالمواعيد سلوك حضاري متقدم ورفيع. وفي المحافل والمناشط الرسمية التي يدشنها الأمير سلمان يحرص الحضور على التواجد مبكرا في المناسبة حتى يدرؤوا عن أنفسهم حرج المجيء بعد وصول الأمير.
يذكر فيما يروى عن التزامه بالوقت أنه كان مدعوا لتدشين وافتتاح إحدى الفعاليات في الرياض، وأنه حضر كعادته في الوقت المحدد ولم يكن رئيس تلك المنشأة قد وصل للمكان، فما كان من الأمير إلا أن قص شريط الافتتاح ثم غادر الحفل، وبعد دقائق وجيزة من مغادرة الأمير حضر الرئيس لكن بعد أن قُضي الأمر.. وأترك لكم تخيل الوضع النفسي والحرج الكبير الذي أصاب رئيس ومنسوبي تلك المنشأة.
أيضا سلمان بن عبدالعزيز عرف بعلاقاته وتواصله مع الصحفيين في الداخل والخارج، مثلما عرف بكونه قارئا حذقا ومراقبا دقيقا لما يكتب مباشرة أو ما خلف السطور، ولهذا سماه الأستاذ تركي السديري (رئيس التحرير)، لأنه يقرأ في الصحيفة ما لا يقرؤه أحيانا رئيس تحريرها الأصلي؟ أتذكر أن الأمير سلمان اتصل بي في مجلة اليمامة، وكنت أتولى بالتكليف رئاسة تحريرها، يسألني عن حقيقة خبر صغير جدا منشور في زاوية هامشية في الصفحة ما قبل الأخيرة، ويتحرى عن مصدر الخبر ومصداقيته، ولم يكن مثل هذا الخبر جديرا بلفت النظر، لكنه القارئ النحرير. كما أذكر أن أحد الكتاب في إحدى الصحف المحلية، سامحه الله، قد شتمني ولمز والدي لمجرد سوء ظن في غير محله، فما كان مني إلا أن كتبت ردا معاتبا ومعنفا هذا الكاتب، لكن الأمير سلمان، يحفظه الله، أوقف هذا السجال وألزم الكاتب بالاعتذار ثم أمره بالذهاب لوالدي والاعتذار منه. والحقيقة أن نفسي قد طابت صفحا وتسامحا مع أخي الكاتب، لكنني فوجئت بعد أيام باتصال من سكرتير الأمير يقول لي فيه إن الأمير يسأل هل مر الكاتب على والدك واعتذر منه؟!
ويشتهر الأمير سلمان بإحاطته التامة بالقبائل والأسر، وهو خير من يعرف أوزان الناس ومقاماتهم، ويعرف عادات وصفات أهل المدن والأقاليم رغم اختلافاتها وتبايناتها، ويدرك الفروقات والتمايزات حتى للقرى الصغيرة، ويعلم حجم التنافس بينها، وفوق ذلك فهو يعلم "المعايير" والتنابز بين أهالي هذه القرى، وكم تولى - يحفظه الله- خلال تأمره لعقود طويلة منطقة الرياض إطفاء عدد من الخلافات المتأصلة، كما تولى تضييق أوجه الخلاف وإصلاح ذات البين بين هؤلاء.
أيضا مواقف الأمير سلمان النبيلة كثيرة لا تحصى، وأتذكر هنا ما يخص تقديره للأدباء والمفكرين الذين خدموا الوطن خلال سنوات عملهم، ومن ذلك أنه، يحفظه الله، قد قرأ خبرا في إحدى الصحف المحلية عن نية أسرة الدريس تكريم عميدها والدي الشيخ عبدالله بن إدريس، يحفظه الله، بعد أن تقاعد من عمله الوظيفي في جامعة الإمام محمد بن سعود وكذلك من رئاسته للنادي الأدبي في الرياض، وقد فوجئت حينها باتصال هاتفي من الأستاذ عبدالله السلوم، يرحمه الله، يخبرني بضرورة حضوري في الإمارة، وهذا ما تم بالفعل، حيث تشرفت بالسلام على سموه، لكنني توجست من دعوة الأمير لي، خشية أن تكون هناك ملاحظة أو عتب على بعض أعمالي الصحفية، لكنني اطمأننت لما سألني عن موعد تكريم الأسرة لوالدي، فلما أبلغته بالموعد أخرج من جيبه ورقة صغيرة فيها مواعيده القادمة، وبعد أن ألقى عليها نظره سريعة، قال لي بأدب جم: "وش رأيكم تؤجلون حفلكم عن موعده المحدد وتجعلونه في الموعد الفلاني حتى أتمكن من الحضور والمشاركة في تكريم والدكم؟ ولعلمك يا إدريس ـ يقول الأمير ـ فإن والدك، يحفظه الله، بما قدمه من جهد وإخلاص في مسيرته الوظيفية والأدبية لا يخص أسرة الدريس فقط ولا حتى أهالي "حرمة" مسقط رأسه أو منطقة سدير، بل يخص الوطن الحريص على تكريم كل المخلصين".. وبالفعل فقد تشرفنا.. والدي والأسرة والمحافظة والوطن بأريحية ونبل الأمير سلمان عندما كان مع الأمير سطام، يحفظه الله، في مقدمة حضور حفل التكريم. وهذه من صفات الوفاء التي جبل عليها الأمير وعرف بها. كما أن الأمير سلمان، رغم صرامته وجديته المعروفة، متميز على نحو لافت في قدرته على الوقوف على مسافة قريبة من جميع من يلتقيهم، وسبب هذا هو، كما أسلفت، كونه العارف بالأنساب والحافظ لتاريخ الجزيرة العربية، ولهذا يشعر كل من يأتيه أنه يعرفه جيدا، ولطالما داعبنا بممازحة عابرة أنا أو والدي لما نقدم عليه ويتصادف وجود أحد معه من أبناء مدينة المجمعة، باعتبار التنافس القديم بين المدن أو القرى المتجاورة والذي زال، والحمد لله، مع هذه الوحدة الوطنية التي تجذرت في نفوس الناس وتحولت إلى محبة وألفة منذ تأسيس المملكة على يد موحدها المغفور له الملك عبدالعزيز.