تحدثت منذ أسبوعين في "الوطن" عن القضاء البيئي وشروطه، وأوضحت أن القضاء البيئي من أشد أنواع التشريعات القضائية تعقيدا لتفرع علومه المرتبطة تقريبا بجميع العلوم الإنسانية، وأوضحت أن هناك شروطا أساسية لمن أراد أن يمتهن سلك القضاء البيئي سواء كان يرغب أن يكون قاضيا أو محاميا أو مدعيا عاما، يشترط في ذلك الإلمام التام بجميع التشريعات البيئية سواء كانت تشريعات محلية أو إقليمية أو عالمية، ومن الجدير ذكره أن المملكة قد صادقت على العديد من المعاهدات البيئية الإقليمية والعالمية، مثل اتفاقية بازلت الخاصة بسلامة نقل المواد الخطرة أو ما ورد في قمة الأرض التي عقدت في البرازيل وآخرها قمة كوبنهاجن هذا العام التي شاركت فيها المملكة، والتي من التوقع أن تصادق على بنودها جميع الدول المشاركة في شهر ديسمبر القادم، ومن الشروط الأساسية أيضا التي يجب توفرها في العاملين في سلك القضاء البيئي الإلمام الجيد ببعض العلوم الإنسانية الأخرى مثل علم الكيمياء وعلم الأحياء وعلم الاقتصاد وعلم الأخلاق، وأهم من هذا وذاك الإلمام التام بعلم البيئة الذي يضم تحت جناحيه جميع العلوم الإنسانية الأخرى، فأين قضاتنا من الإلمام بكل ذلك؟!
قضية حمراء الأسد التي رفض القاضي دعوة المتضررين وتعويضهم عن الفاجعة التي ألمت بهم، ولا أعلم على أي أساس قضائي بيئي أو إنساني رفض القاضي تعويض هؤلاء المتضررين، وأمامه أطفال ونساء ورجال قد قضوا، وآخرون شوهوا وآخرون أصيبوا بأمراض عضال، قبل أن أسترسل في هذا الموضوع أحب أن أحكي قضية قرية حمراء الأسد التي تجسد فيها ظلم الإنسان لأخيه الإنسان بصورة تقشعر منها الأبدان.
حمراء الأسد قرية لا تبعد سوى بضع كيلومترات إلى الغرب من المدينة المنورة يقطنها حوالي 600 أسرة، في هذه القرية ومنذ حوالي 20 عاما تقريبا، كانت شركات دباغة الجلود في المدينة المنورة تلقي نفاياتها السائلة في أحواض شيدت لهذا الغرض دون عزلها لضمان عدم تسرب نفاياتها الصناعية السائلة إلى المياه الجوفية، ومنذ عشرين عاما وهذه المياه بما تحمله من عناصر كيميائية ثقيلة سامة تتغلغل في باطن الأرض واختلطت بمياه الآبار التي تعتبر المصدر الوحيد للشرب في هذه القرية البائسة، كمية المياه التي تقذف يوميا في هذه الأحواض كميات كبيرة جدا، ودعوني أصور لكم حجم المياه التي تقذف في هذه الأحواض، فمن المعروف أن دباغة نصف طن من هذه الجلود يتطلب حوالي طن واحد من المياه لدباغته، وكل طن من هذه المياه يحمل في طياته حوالي نصف طن من الملوثات الصناعية منها الكروم والكوبلت والكبريت والعديد من الصبغات والمبيدات الحشرية، وإذا اعتبرنا أن كلوريد الصوديوم من الملوثات الكيميائية، فهذا يعني أن كل طن من هذه المياه يحتوي على قدر مماثل له من الملوثات الكيميائية، فتخيل أخي القارئ كم من الجلود قد تمت دباغتها في العشرين سنة الماضية، وكم من المياه استهلكت لدباغة هذه الجلود، وكم من الملوثات الكيميائية السامة التي تسربت للمياه الجوفية في منطقة حمراء الأسد، الأرقام مخيفة لأن الضرر لا يقتصر فقط على المياه الجوفية في منطقة حمراء الأسد بل يشمل جميع مناطق المدينة المنورة.
ومن يعتقد أن الضرر قد زال بقفل آبار قرية حمراء الأسد أو تجفيف أحواض مرمى النفايات السائلة فهو لم يدرك بعد حجم الكارثة لسببين، الأول: هو استمرارية تسرب هذه المواد السامة والتسرب مازال يؤثر على المياه الجوفية، فمع زخات كل مطر تتأين (تذوب) أملاح هذه المواد السامة للتسرب مع مياه الأمطار إلى المياه الجوفية مرة أخرى، فتجفيف هذه الأحواض ليس كافيا لإزالة تأثيرها السام على المياه الجوفية. والأحرى من ذلك أن تجبر الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة الشركات المتسببة في هذه الكارثة بتنظيف هذه الأحواض تماما من هذه الملوثات.
أما السبب الثاني: فمشكلة تلوث المياه الجوفية بسموم مصانع دباغة الجلود لا تقتصر فقط على منطقة حمراء الأسد، بل في رأيي المشكلة عامة قد تشمل معظم المياه الجوفية في منطقة المدينة، فمن المعروف أن المياه الجوفية تتواجد تحت سطح الأرض في طبقات طينية حاملة للمياه Aquifer وهذه الطبقات قد تمتد إلى مئات الكيلومترات، ولا أعلم بالتحديد طول وعرض وسمك هذه الطبقة الحاملة للمياه، ولكن أؤكد أن طولها يحسب بمئات الكيلومترات وليس بعشرات الكيلومترات، السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو الاتجاه الجغرافي لهذه الطبقات الحاملة للمياه، فإذا كانت تمتد جهة الغرب فهذا يعنى أن معظم المياه الجوفية في منطقة المدينة المنورة قد تأثرت بهذه الملوثات الصناعية، وبمعنى آخر أن مشكلة تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف من مصانع دباغة الجلود، ليست مشكلة خاصة بمنطقة حمراء الأسد بل هي مشكلة عامة تشمل معظم مناطق المدينة المنورة. فأين أنتِ يا مصلحة الأرصاد وحماية البيئة من هذه المشكلة؟ وكيف بالله عليكِ تنصرين الظالم على المظلوم؟ وأين قضاؤنا من فهم هذه الحيثيات العلمية! باختصار نحن فقدنا مصدرا استراتيجيا من مصادر المياه في منطقة المدينة المنورة، وأنا على ثقة تامة أن تلوث النفايات الصناعية لمدابغ الجلود لم يقتصر فقط على سكان حمراء الأسد بل الأمر قد يكون أكبر من ذلك بكثير!