مرت ثورة مصر بأوقات وضعنا أيدينا على قلوبنا حبا لها وخوفا عليها.. أوقات نزفت فيها دماء وضاع فيها الأمن وانخفض مؤشر الاقتصاد وساءت العلاقات الخارجية حتى مع من هم أكثر حميمية ومحبة وأكثر رغبة للخير لمصر أرضا وشعبا.. أوقات خشينا أن تنعدم الثقة في مؤسسات الأمن والتشريع والديموقراطية.. أوقات كاد يُنظر فيها بشكل سلبي للعسكر وللقضاء ولصناديق الاقتراع.. وفي مثل تلك الحالات يصل الوطن، أي وطن، إلى طريق مسدود، لأنه لم يعد هناك منفذ يتم منه الخروج.. ثم تنفسنا الصعداء وحمدنا الله على النتيجة التي كشفت لنا أن هناك حكمة.. وهناك عقلا.. وهناك منطقا. والآن وبعد أن تجاوزت مصر أعنف أزمة سياسية بعد ثورتها.. أصبح لديها رئيس منتخب جاءت به صناديق الاقتراع ورغبة الشعب ونتائج الديمقراطية.. هذا الرئيس الذي اختارته الأغلبية يشكل تحولا إيجابيا في تاريخ مصر والعالم العربي بأكمله.

ونحن إذ نسعد بهذا التحول الكبير في تاريخ مصر، ندعو الله مخلصين أن يوفق الرئيس وقيادة مصر لتحقيق آمال وطموحات وطنهم وأن تبقى مصر بجانب أخواتها الدول العربية وحدة واحدة وقلبا وحدا على الخير وفي دروب الخير.. وفي نفس الوقت نُذكِّر بأن رئيس مصر قد حصل على نسبة تزيد قليلا على النصف.. ونؤكد على ما قاله في خطاباته أن يكون رئيسا لكل المصريين الذين انتخبوه والذين لم ينتخبوه.. وألا يكون ذلك قولا، بل فعل يشعر به كل مصري في مصر.. والأمر الآخر؛ فإنه أثناء الثورة تراجع الاقتصاد وأهم موارده السياحة، وذلك بسبب انعدام الأمن وسيطرة "البلطجية".. ومن أهم عوامل ارتفاع مؤشرات الاقتصاد وجود الأمن، لأنه يضمن عودة السياحة وعودة الاستثمارات الخارجية التي لن يكون لعودتها أمل قبل أن يضمن المستثمرون قاعدة أمنية قوية تضمن لهم حقوقهم..الأمن ثم الأمن ثم الأمن.

والأمر الثالث؛ هناك تخوف عبَّر عنه الكثيرون وهو أن الإخوان لهم خطابان واحد ظاهر للناس والآخر خفي في دائرة الإخوان أنفسهم.. ولابد أن تثبت الممارسات للرئيس وللقيادة أن هذا غير صحيح.. لأن الشعب ليس كله من نفس الحزب.. وما قاله الرئيس في خطاباته يطمئن لكنه يبقى كلاما حتى تثبته الممارسات ويطمئن له المواطنون جميعهم.. والتفاؤل من خلال ما سمعناه موجود ويغلب عند الغالبية، لكن الناس تريد أن ترى شواهد وأدلة وممارسات على أرض الواقع.. والأمر الرابع؛ هناك من وجهة نظري أمر فيه مبالغة كبيرة وهو ما يسمى بـ "الفلول"، والذي أراه صحيحا هو أن كل مواطن له حق المواطنة.. فالنظام السابق استمر أكثر من ثلاثة عقود ولو اعتبرنا كل من عمل معه "فْل" لأخرجنا معظم الشعب المصري من الدائرة.. الصحيح أن تتم محاسبة كل من ثبتت ضده ممارسات سلبية.. أما الباقون فهم مواطنون ونأمل أن يعزز الرئيس والقيادة هذا المفهوم حتى يضمن كل مواطن بجانبه يعمل معه على تحقيق أهدافه وتطلعات وآمال كل فرد من الشعب.

والأمر الخامس؛ أنه خلال العقود الثلاثة الماضية هناك إنجازات تحققت على يد النظام السابق.. ويجب ألا تعمينا عنها نظرتنا السلبية إليه.. ففي خلال السنتين التي سبقتا الثورة ارتفع مؤشر الاقتصاد في مصر بنسبة 8% وفي سنة الثورة ارتفع مؤشر الاقتصاد 4.5%.. حقائق كشفتها التقارير الاقتصادية وتقارير البنك الدولي.. هذه إنجازات يجب المحافظة عليها.. وبصرف النظر عن النظام السابق والممارسات الفاسدة التي ثبتت على بعض رموزه، تلك هي إنجازات للوطن.. وخيرات الوطن وأعمال أبناء الوطن يجب ألا ننظر إلى الحديث عنها والمحافظة عليها على أنها تمجيد للنظام السابق.. يجب أن نفصل المحافظة على مكتسبات الوطن عن أفراد لهم تجاوزات.. الذين حققوا هذه الإنجازات هم مواطنون مصريون من أبناء الوطن.. وأي مصري هو جزء من الوطن.. وأرى أن تجاوز المنجزين العاملين المخلصين الأمناء الأوفياء حتى وإن كانوا من النظام السابق، أرى أنه اعتداء على الديمقراطية التي أتت صناديقها بالرئيس إلى سدة الحكم.. ولكي يكون الرئيس لكل المصريين، فإن الأفضل أن يأتي بأفضل الكوادر الوطنية في الوطن كمستشارين ومعاونين، آخذاً نصب عينيه اعتبارا واحدا "الأفضل"، دون النظر إلى ما إذا كان قد عمل أو لم يعمل في النظام السابق، خصوصا إذا لم تثبت ضده أي ممارسات سلبية في السابق. تلك المؤشرات والنسب العالية في الاقتصاد بنيت على أسس موجودة في الوطن والمؤمل هو عدم محاربتها.. هناك أيضا إنجازات للنظام السابق المرجو عدم القضاء عليها.. تلك هي جزء من حقوق الوطن.. وهي لكل المواطنين.. والبدء من حيث وصلت تلك الإنجازات والارتكاز على تلك الأسس خير من البداية من الصفر.

المواطنون تطلعوا للتغيير وحصلوا عليه.. وجاءت تطلعاتهم وإنجازاتهم نتيجة معاناة كبيرة استمرت لعقود.. تلك المعاناة التي اكتنفتها الحاجة ولفتها الضائقات وأحاطت بها التجاوزات.. جعلتهم يصرون على التغيير وعلى التطلع لأوضاع أفضل ومستقبل أزهى. كانوا يعانون من مشكلات مزمنة أوصلتهم إلى حال لم يستطيعوا تحمله.. هذه مشكلات يتطلع المواطن إلى أن تقوم القيادة بالتعامل معها وإيجاد حلول لها.. هذه متطلبات المواطن.. وبالمقابل تتطلع القيادة إلى الصبر والأناة، فالإنجازات تحتاج إلى وقت.. منها العاجلة التي تتطلب وقتا أقل، ومنها الكبيرة التي تتطلب وقتاً أطول.

والمأمول من القيادة المصرية التي وضع المواطن ثقته فيها أن تحقق تلك التطلعات والتعامل مع المشكلات وهو تحد كبير عبَّر الرئيس غير مرة أنه يدركها وأنه سيتصدى لها.. وأنا أظن وغيري الكثيرون أنه ليس هناك معيار حزبي أو غير حزبي يقاس به رضى المواطن.. والمعيار الحقيقي لقياس رضى المواطن وكسب دعمه هو التعامل مع المشكلات التي سبقت الثورة.. وأظن ويظن معي الكثيرون أنه إذا لم تتحقق طموحات المواطن فلن يشفع للقائد انتماؤه ولا من أي حزب أتى.

تمنياتنا "لأم الدنيا" بالاستقرار.. ففي استقرارها كسب لأمتنا العربية والإسلامية.. ودعواتنا لمصر بمستقبل يتحقق فيه الأمن والرخاء والازدهار.