يا لها من معان وكلمات مخيفة للغاية، كيف يمكن لأحد أن يستوعب أن ثمة حديثا عن موجة إلحاد، أين؟ في المملكة العربية السعودية. في البلاد التي يمثل الدين فيها العامل الأبرز في التكوين الثقافي والاجتماعي والنفسي للجماعات وللأفراد على حد سواء. لكن ذلك هو التخويف فقط. يأخذ التخويف مكانة كبرى لدى الجماعات التي تشعر بأن ثمة واقعا جديدا يتجاوزها ويقفز على خطابها ولا يصغي إليه كما كان يفعل من قبل، وهو أمر طبيعي تشهده كل المجتمعات التي تمر بتحولات تتسع فيها دوائر الوعي ويخرج فيها المجتمع من كونه مصغيا إلى صوت واحد، أو مؤمنا بصيغة واحدة للتفكير إلى مجتمع متنوع ويحتاج لأنماط جديدة من المعارف والأفكار. وهو في كل تلك التحولات يجعل من تدينه ومن أسس ثقافته وتركيبته الثقافية معيارا للدخول إلى هذا التنوع.
إذن فالقضية قضية تيار أو خطاب يشعر أنه يخسر، إنه أشبه برجل استطلاع ظل يقوم بهذا الدور لقومه ويخبرهم بكل ما يوشك على الهجوم عليهم، وفي لحظة أصبح هؤلاء القوم يمتلكون كل وسائل الاستشعار والاتصال والتجسس الحديثة، وبالتالي فقد استغنوا عنه، لا جفاء له، بل لأن لديهم ما يقوم بوظيفته على وجه أكمل، ولذلك نراه يواصل صياحه وتخويفه للقوم بأن حدثا ما سيحل بكم، إنما دون جدوى. كان بإمكانه أن يتعلم تلك الأدوات الحديثة وأن يجيد استخدامها ليظل جزءا من احتياج القوم له، لكنه توقف عند مرحلة معينة، ولذا ينشغل بتخويفهم بين الفترة والأخرى بحثا عن دور له بعد أن عجز عن مجاراة التحولات الجديدة التي يعيشها مجتمعه.
لقد قال سماحة المفتي قولا مهما في البيان الذي يتحدث عن انتشار موجة إلحاد في جدة، بل دافع بكل وضوح ووطنية عن جدة، ومع أن كثيرا من المشتغلين بهذه البيانات ترويجا وبثا على الإنترنت لم يعجبهم رأي سماحة المفتي، إلا أنه رأي يؤكد أن لدينا مفهوما واعيا للتدين، وهو يستوعب المصالح والمستجدات ويرفض مثل هذا التعميم ويرى فيه إشاعة للفرقة والعداوة. قال سماحة المفتي إنه لا يجوز تعميم الحكم بالفساد إذا وقع من فرد أو أكثر، وهنا فرق بين ما يعملون انطلاقا من إيمانهم بمجتمعهم والآخرين الخائفين منه.
التدين في ظل الحياة الحديثة والمدنية ينقسم إلى قسمين: الأول يرتبط بعلاقة الفرد بالناس وبالمجتمع، أي بعلاقة الأفراد بعضهم ببعض، وهذا تديره المؤسسات والأنظمة والقوانين، الثاني: يرتبط بعلاقة كل فرد بالدين، وبالتالي بعلاقة كل فرد بالله تعالى، وهذا جانب لا تستطيع مختلف التنظيمات ولا القوانين أن تديره ولا أن تتحكم به، بل إن التشريع السماوي الحكيم أكد في أكثر من موضع نوع تلك العلاقة وما فيها من فردانية، دون أن تشكل عدوانا على حق أحد من الناس، لأنها فورا ستخرج إلى النمط الأول. لا يختلف ذلك كثيرا عن التخويف بالتغريب أو التحرر، ويدخل فيه محاولة إرجاع كل حركة تنموية جديدة إلى أنها تسعى لكسر طوق من أطواق التدين والمحافظة في المجتمع. أمام مجتمعنا السعودي فرصة أكبر من غيره لأن يكون تحضره وتمدنه قائمين على أسس سليمة وواعية، وعلى نوع من المحافظة الواعية، وليست تلك التي تتحول إلى ممانعة خائفة ومرتبكة، وخاصة أن لدينا في تاريخنا السعودي الحافل بالتحولات الكثير من المراحل والأحداث التي لم تجد معها الممانعة نفعا لسبب يسير؛ هو أن الحياة في ظل الدولة الحديثة تقوم على الخيارات والتنوع، وبالتالي فالصواب الواحد لدى فرد أو لدى جماعة لا يمكن أن يكون طريقا لصواب واحد وعام. إن التنمية حين تتم إحاطتها بمزيد من المخاوف تتحول إلى معركة، يصبح الخاسر الوحيد فيها هو التنمية والإنسان والمستقبل.