في زمن مضى كان التلفزيون يحرص في رمضان على عرض مسلسلات يطلق عليها المسلسلات الدينية، مثل: قصص الأنبياء، وبلاط الشهداء، وأسد بن الفرات، وعقبة بن نافع، وموسى بن نصير، رضي الله عنهم أجمعين.
وقد شكلت هذه المسلسلات ليس ذكرى جميلة فقط بل منعطفا خطيرا في حياتنا، فكم شدتنا اللحظة التي وقف فيها الممثل المصري الذي لا أذكر من هو لكنني أعرف أنه كان يؤدي دور الصحابي الجليل عبدالرحمن الغافقي - رضي الله عنه - وهو يرفض التراجع، على الرغم من يقينه أن الشهادة أمامه هو وجنده؛ فيستشهدون جميعا لينتهي المسلسل بعرض من المخرج لأجسادهم ملقاة على الأرض تتابعها أعيننا الدامعة، مذكرة لنا أن معركة بلاط الشهداء - أو كما يسميها الغرب تور أو بواتييه - كلفت أوروبا - وبخاصة فرنسا - مئة عام من التخلف والجهل، ربما شاهدت هذا المسلسل وأنا طفلة، لكن ذلك التعليق الأخير بقي معي دائما.
أنا أعرف أن الفنانين - بلغتنا العامية - "مأكولون مذمومون"، فعدد منا يتابع المسلسلات والأفلام ثم يظل يشتمهم ويلعنهم، ولربما كفرهم أيضا! وهذا من عجائب هذا الزمان، فلو لم يكن هناك أناس ترغب في مشاهدتهم لما مثلوا أصلاً.
فلِمَ لا ندعم المسلسلات التي تقدم وعيا وتاريخا، والتي خرجت من تحت يد رجل كالشيخ القرضاوي والشيخ سلمان العودة، ونجبر هؤلاء الممثلين على تقديم الجيد، وخاصة أنهم منا ومن مجتمعاتنا ومن ديننا أيضا، ونحن ندعمهم شئنا أم أبينا!
البعض يحتج بأن هناك تجسيدا للصحابة، وهناك من أفتى بحرمة ذلك، فيرد عليهم بأن هناك من أفتى بالجواز، فلعل القائمين على المسلسل مقتنعون بفتوى الجواز، فهل ستمنعهم؟ لا يجوز لك ذلك، فكما يقول الأصوليون: لا إنكار مع الاختلاف.
ثم من هو الغبي الذي لن يعرف أنه ممثل.. حتى الأطفال يعرفون ذلك.
زماننا كثر فيه الطعن في حضارتنا وتاريخنا، حتى إنني أفتح الصحيفة فأجد كاتبا يمجد الحضارة الغربية وينزع عن الحضارة الإسلامية كل مجد، فأسأل نفسي: ماذا لو قرأت ابنتي هذا الهراء وصدقته، وعاشت تعاني من النقص، فتكمل ذاتها بثقافة ودين وتقاليد حضارة واهية لا قيمة لها في ميزان الصدق والثبات؟!
إن مسلسلا سيقدم تاريخا عظيما لرجل كالفاروق رضي الله عنه خضع لمراجعة رجال نثق بهم لحريّ بي أن أنتظره وأشاهده، وأتمنى أن يشاهده الجميع، فسيأتي يوم نتذكر الموقف وننسى من كان الممثل.