من أكثر القضايا التي تؤرق الدولة وتزعجها وباتت محل تذمر وامتعاض عند كبار المسؤولين شكوى المواطنين من عدة وزارات وقطاعات اعتمدت لها الدولة ميزانيات ضخمة لتنفيذ الاعتمادات؛ إلا أن تلك المشاريع لم تظهر بعد على سطح الواقع أو أنها متعثرة، أو أن هناك خللا في التواصل مع الرأي العام المحلي أدى إلى عدم وقوف المواطنين على حقيقة ما يحدث لتلك المشاريع.
ولعل مساحة المملكة وكثرة مدنها وتباعد مواقع هذه المدن عن المركز، وحجم التنمية التي تنفذها الدولة في كافة القطاعات يحتم على أصحاب القرار إعادة النظر في الآليات المتبعة في كيفية معرفة احتياجات المدن من المشاريع ثم في كيفية الموافقة عليها ثم في كيفية صرف الاعتمادات المالية لها وبعد ذلك كيفية مراقبة تنفيذها.
فلو شرعت الدولة عن طريق أي من أجهزتها إلى إعداد استطلاع رأي للجهات المعنية بتلك المشاريع في المدن والقرى فحتما ستقف على معلومات دقيقة وفي نفس الوقت عظيمة تفيد بأن آلية العمل المتبعة في كافة وزارات وقطاعات الدولة لها دور أساسي فيما تشكو منه الدولة، بل إن هذه الآلية لها دور أساسي في الشكوى الدائمة من أن ما تنفقه الدولة لا يتوافق مع ما يفترض أن يكون عليه الحال.
فأصحاب الشأن وأصحاب الخبرات همهم هو هم دولتهم، وحرصهم على الوطن والمواطنين هو حرص قادتهم، يقترحون أن يخفف الضغط الكبير والعبء الثقيل على مراكز تلك المشاريع والأنشطة والقرارات التي تخدمها والمتواجدة عادة في العاصمة الرياض، كون الوزارات ومراكز القرار المتعددة فيها، فكما أسلفت لدينا عدد كبير من المدن والقرى والهجر وبالتالي يصبح حجم القطاعات والإدارات والمراكز التابعة لتلك الوزارات والإدارات والهيئات من العدد بحيث لا يمكن خدمتها ومتابعتها وإعطاؤها حقها من الرقابة مهما كان عدد العاملين في تلك الوزارات والهيئات.
ويستشهد أولئك المخلصون لوطنهم ممن عايشوا هذا الواقع أن كثيرا من المشاريع ترفض من المركز في الرياض لعدم دراية ومعرفة صاحب الرفض بأهميتها، ولا توجد آلية دقيقة وواضحة يمكنه من خلالها أن يعرف أهمية ذلك المشروع الذي رفضه، ولن يتمكن بشخصه أو مع كل من يعملون معه من زيارة كل المشاريع المطلوبة في كل مدن وقرى وهجر المملكة، وفي ذات الوقت يمكن لصاحب الشأن نفسه أن يعتمد مشاريع ليست ذات أهمية أو في أضعف الحالات يمكن القول عنها إنها ليست من ضمن الأولويات، وإذا ما بحثنا عن الأسباب سنجد أنها تعود لغياب نفس تلك الآلية.
لعل التفكير في منح المناطق صلاحيات اعتماد المشاريع ومراقبتها عبر تخصيص ميزانيات سنوية لها سوف يساهم في تغيير ليس فقط آليات العمل غير المجدية التي بسببها يضيع الجهد والمال بل في ظني سوف يساهم في تغيير المدن بشكل سريع، وستبرز مشاريع التنمية المتعددة بصورة واضحة، وبالتالي ستغيب تلك الشكوى المتمثلة في أن حجم الظاهر من الإنجازات لا يتناسب مع حجم المنفق من الأموال.