في الحضارة الغربية الحديثة كل شيء ممكن، حتى المستحيل يمكن تحقيقه بقدر من الأمل والعمل والتخطيط مع شيء من تذوق طعم الخسارة.. على هذا الأساس سار الرئيس باراك أوباما، المحامي والأستاذ الجامعي والمسيحي المؤمن، ثم السيناتور في مجلس الشيوخ، ورئيس الجمهورية فيما بعد.
كبرَ وكبرتْ معه جرأته على الأمل، وهو محق بذلك، إذ لا يمكن أن نحقق آمالنا إلا إذا تجرأنا عليها وحدثنا أنفسنا بهمس أو بصوت عال: لمَ لا؟ يمكن تحقيق ذلك!
يشير الرئيس أوباما في كتابه (جرأة الأمل) أنه حين شغر مقعد في الكونجرس عن ولاية إلينوي قرر الترشح، وكان أهم سؤالين يواجهانه آنذاك في كل مكان: من أين حصلت على هذا الاسم الغريب؟ ويبدو أنك رجل نظيف وصالح، فلماذا تريد أن تدخل معتركا كريها كالسياسة؟
وبعد ذلك بعدة سنوات قرر أوباما أيضا منافسة مرشح ديموقراطي على مقعده في الكونجرس في انتخابات عام 2000، ويعترف بثقة نفس أن قراره ذاك كان يجافي الحكمة ويفتقد للروية فخسر السباق، لكن يستدرك متأملا: "إن الحياة ليست ملزمة بالسير حسبما خططنا". بعد مرور عام ونصف على التعافي من هذه الخسارة الموجعة، أي في عام 2001 كان أوباما على موعد مع مستشار إعلامي كان يشجعه على الترشح لمنصب في الولاية، وعلى الغداء قال له المستشار صراحةً: إن السياسات تغيرت، مشيرا إلى صورة أسامة بن لادن على الصفحة الأولى بقربه، وأضاف: الوضع صعب أليس كذلك؟ لسوء الحظ أنت لن تستطيع تغيير اسمك!
يعترف أوباما أن ذلك سبب له قلقا لمدة طويلة: فلأول مرة "بدأت أعاني الحسد والغيرة من رؤية سياسيين أصغر عمرا يحققون النجاح حيث يعيقني الفشل عن بلوغ مأ أطمح إليه". وهنا يدخل أوباما-كأي إنسان- بمرحلة أخرى باهتة ومملة وكئيبة، حيث أخذت متعة السياسة ولقاءات الجماهير وحرارة مصافحة الأيدي تبهت، فأصبح الطعام رديئا والجو مملا في ظل مسؤوليات متعددة.
ولكن في مرحلة ما وصل أوباما إلى الاقتناع والاعتراف بالحدود التي تقيده-أولها أنه من البشر الفانين- وأعاد التركيز على عمله في مجلس شيوخ ولاية إلينوي فشعر بالرضا عن الإصلاحات والمبادرات التي يمكنه القيام بها، يقول: قضيت وقتا في المنزل، وشاهدت ابنتيّ تكبران، وأظهرت الحب والحنان لزوجتي، وفكرت بالتزاماتي المالية على المدى الطويل، مارست الرياضة، قرأت الروايات، وبدأت أُعجب بدوران الأرض حول الشمس وتعاقب الفصول دون مجهود من البشر!
وبلحظة تجل، قرر أوباما إخبار زوجته بنيته الترشح لمجلس شيوخ الولايات المتحدة. ويصف هذا الأمر بأنه فكرة غير معقولة، ويؤكد أن زوجته وافقته بدافع الشفقة لا الاقتناع، مرتاحة لاحتمالات فوزه الضئيلة والصعوبات الجمة التي تعترض طريقه.
وبعد اتخاذ القرار، يقول أوباما: ظفرت بأربعة مساعدين من الشباب الأذكياء بأجر زهيد، وابتعنا عددا من أجهزة الكمبيوتر، ووجدنا مكتبا صغيرا وصلناه بخطوط الهاتف، وكنت أتصل بالمتبرعين الديموقراطيين لخمس ساعات يوميا للحصول على الدعم، عقدنا مؤتمرات صحفية لم يحضرها أحد، وشاركنا في موكب عيد القديس باتريك فخصص لنا مكان آخر حيث وجدت نفسي والمتطوعين العشرة نسير على بعد خطوات من سيارات جمع القمامة ونلوح بأيدينا لمن بقي على الطريق من الجماهير، بينما كان عمال النظافة يكنسون الشارع ويزيلون الملصقات عن أعمدة الإنارة.
لم ييأس أوباما من هذه الحالة البائسة، إذ واصل مسيرته السياسية واضعا الهدف أمام عينيه، فوصل إلى ما أراد. وأتاح سباق انتخبات الكونجرس لأوباما النزول للشارع ومعرفة كيف يفكر الأميركيون العاديون، وكيف يعيشون ويحلمون.
كان شخصا ذكيا استطاع مخالطة الناس في الشوارع والمنازل والأمكنة المتواضعة، واستمع إلى ما يتحدث به الأميركيون عما يهمهم في حياتهم: الأسرة والتربية، التعليم والعمل، الصحة والأمان، ثم التقاعد بشكل كريم ومحترم. اقتنع باراك أوباما أن الحالة الجامدة التي وصلت لها السياسة قد أصابت الناس بالسأم، ولذلك جاء كتابه المشار إليه آنفا حول موضوع رئيس هو كيف يبدأ الأميركيون عملية تغيير سياساتهم وحياتهم المدنية. وهو لا يدّعي امتلاك عصا سحرية، ولا يعرض نظرية توحيدية للأميركيين ولا مانيفستو للعمل.. بل ما يعرضه في كتابه شيء أكثر تواضعا، كما يقول، مجرد تأملات شخصية عن المثل والقيم التي قادته للعمل في الشأن العام، لكنه يستدرك معترفا بأنه في النهاية ديموقراطي، وأن آراءه فيما يتعلق بمعظم الموضوعات والقضايا هي أقرب إلى افتتاحيات الـ(نيويورك تايمز) منها إلى (وول ستريت جورنال).