• يقال إن المثل الشهير؛ "خلّك شمالي" يرجع لقصة شعبيةٍ لرجلٍ من أهل الشمال، خسر طفليه وإبله وخادمه، في حوادث متلاحقة وشديدة الألم، وهو في رحلة سفر، فبينما هو في بعض الطريق، راح يبحث عن الماء.. وجد بئراً لا يُرى قاعها، فرمى في جوفها بحجر، ليعرف إن كان بها ماء، فطار بسبب حجرته حمامٌ كثيرٌ كان بداخلها. هاجت الناقة وهربت مهلوعةً والطفلان مربوطان على ظهرها، وحين ابتعدت كثيراً كثيراً، حتى غابت عن عينيه.. يئس من ملاحقتها، وخشي أن يتوه، فرجع إلى زوجته وماله، ليجد الخادم ميتاً، والإبل قد سرقها قطاع الطرق، والزوجة على وشك الهلاك، فحملها حتى نزل هو وإياها على مساكن قبيلة، وبعد أن أسعفاهما وضيّفاهما، أخبرهم من أين جاء، وقص عليهم قصته، ليصير هذا الشمالي مثلاً في الصبر، في كلّ مكان.. فمنذ كنت صغيراً وأنا أسمع في أقاصي الجنوب هذا المثل؛ "خلك شمالي"، وكنا نفهم دلالاته، دون شرحٍ أو سؤال، كنا ندري أنه يعني؛ اصبر، أو لا تغضب، أو طوّل بالك، والحقيقة أنني وأظن الكثيرين، مثلي، ما كانوا يعرفون مناسبته ولا قصّته، ولم أعرفها إلا مؤخراً، ولا أدري إن كانت هي القصة الصحيحة أم أن هناك قصة أخرى لهذا المثل. بكل حالٍ الجميع يقوله ويمضي إلى معناه.

• كم نحن بحاجةٍ أن نعرف أنفسنا، أن نعرف بعضنا، أن نتبادل حكايانا وتراثنا وأمثالنا! وكم هو مؤسفٌ أن أجيالاً من كبار السنّ، في كل جهة، يغادروننا دون أن نوثق من ذاكراتهم وجدان زمنٍ لم يُكتب من قصصه ولا شعبيّاته الثريّة، ولا أغانيه وآلامه، ولا أساطيره، إلا الشيء اليسير!. ويا كم بيوت الطين والأزقة والحيطان والكثبان والخيام والحارات والقرى والبوادي والسواحل مزحومة بالدهر، بقساوة الأيام والحب والمخاوف واللوعة.. وألف ألف معنىً ومعنى!.

• خطر ببالي هذا وأنا أطالع الرواية الجميلة؛ "ما تبقى من أوراق محمد الوطبان"، وأتذكر شخص كاتبها، الصديق الحميم، ذلك الطير الشمالي؛ محمد الرطيان.. الذي لم أره منذ عرفته عابساً أو متجهماً، بل كان على الدوام من أقرب الناس للناس، كما لو أنه يلمسهم بخفّة، بكتابته ونفسه، طروباً ودود الطبع وطويل البال، كما ينبغي للشمالي الجميل أن يكون.

http://youtu.be/5MZPMLghZOc

• قال مرة محمد الرطيان: الوطن ليس شوارع جميلة، وقصوراً فاخرة، ومصفاة نفطٍ، وراتباً آخر الشهر. الوطن هو كل هؤلاء الناس!.