الطاعة في أصلها فرع عن العدل، فإذا انحرفت عن العدل، لم تبقَ طاعة، بل صارت استعبادًا مقنعًا، تستظل بظلال الدين بينما جوهرها يفسده الظلم، وكم من فتاة كُسرت حياتها لأنها أرادت الاستقلال بشيء من القرار، فصودرت إرادتها تحت صراخ أم لا ترحم، بحجة أنها «تعرف مصلحتها أكثر منها!».. وكم من ابن اضطر إلى الزواج من أجل إرضاء أمه لا حبًا ولا رغبة، بل هربًا من اتهام الجحود.. والابن أو البنت الذي يعترض على القسوة، أو يرفض الإيذاء النفسي والمعنوي ليس عاقًا، بل هو -في كثير من الأحوال- أبرّ بها من أخيه أو أخته الساكتَين عن الخطأ، المموهين للانحراف باسم البرّ.
ليس كل صمت طاعة وليس كل معارضة عقوقًا، فإن في السكوت عن الباطل ضعفًا، وفي الصراخ للحق أحيانًا محبة خالصة، وإن جاءت بصوت عال، والأم كغيرها من الناس، يجوز عليها الخطأ والتجاوز، وقد تكون متسلطة لا تفرق بين الحب والتملك، وقد تكون صارخة دائمًا، كثيرة اللوم والتقريع، لا تُرضيها طاعة ولا تكفيها تضحية، ثم إذا اشتكى أبناؤها قيل لهم: «هذه أمكم، جَنّتك تحت قدمها!»، كأنهم وُجدوا ليكونوا قرابين لرضا لا يتحقق.
الشرائع كما أنزلها الله، لا تُقر هذا، فقد جاءت بالعدل، لا بالهوان، وجاءت بالتوازن لا بالتنازل، وجعلت البرّ مقترنًا بالإحسان، لا بالطاعة العمياء، بل إن النص القرآني الذي يأمر بمصاحبة الوالدين بالمعروف يقيده في موضع آخر بأن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومن المعصية ظلم النفس وقهر القلوب، وسلب الإرادة باسم البر.
إن أعظم بر بالأم الظالمة، أن يُرد عن ظلمها وأن يُكشف لها ما بها من خطأ، لا أن نُطيل عمر استبدادها بمزيد من التبرير، فالبنت أو الابن البار حقًا، هو من يقول لأمه: «أنا أحبك، لكني لا أقبل أن تُملي عليَّ حياتي»، وربما كانت هذه الكلمة الصادقة بداية لتغيرها، بينما السكوت لعقود لم يُنتج إلا مزيدًا من الألم، فالمحبة ليست خضوعًا دائمًا، بل قوة تقوم الإعوجاج إن لزم الأمر، والطاعة العاقلة هي التي لا تُنافي الكرامة، ولا تَقبل بإخضاع النفس لقانون غير قانون الحق.