في خطوة تجسّد حرص الحكومة السعودية على تحسين جودة الحياة، واستشعارها الدائم لاحتياجات المواطنين وتطلعاتهم، صدرت توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء باتخاذ إجراءات عاجلة وواضحة لتحقيق التوازن في القطاع العقاري بمدينة الرياض، وذلك لمعالجة ارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات، وإزالة الصعوبات والمعوقات التي تواجه المواطنين. وتأتي هذه التوجيهات كترجمة عملية لنهج الدولة في تحقيق التنمية المتوازنة، ومعالجة التحديات التي تمس حياة الناس اليومية.

وهذا التوجيه السديد يؤكد الالتزام بتوفير حلول فعالة وسريعة لمواجهة تحديات القطاع العقاري بشقيه السكني والتجاري، وتحقيق الاستقرار في السوق بما ينعكس إيجابا على الأفراد والمستثمرين والقطاع الخاص بشكل عام، ودعم أهداف رؤية المملكة 2030 التي نادت بوضوح في كثير من جوانبها بتوفير بيئة سكنية ميسّرة ومستدامة تعزّز جودة الحياة.

هذا التوجيه لم يأت بصورة ارتجالية، ولم يكن نتيجة لردود أفعال آنية أو وقتية، بل أتى بعد دراسة متأنية وشاملة قامت بها الهيئة الملكية لمدينة الرياض ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية فيما يتعلق بالقطاع العقاري، وتقييم ما شهدته مدينة الرياض من ارتفاع في أسعار الأراضي والإيجارات في السنوات الماضية، ومراجعة التأثيرات الناتجة عن ذلك وكيفية علاجها، وهو ما يؤكد الحرص على تحقيق التوازن في القطاع العقاري.


وبعد رفع توصيات الدراسة التي استصحبت كافة المعطيات وراعت جميع المتغيرات، صدرت التوجيهات الكريمة باتخاذ حزمة من الإجراءات الضرورية في هذا الشأن، حيث جاءت المخرجات النهائية بصورة مطابقة للواقع المعاش، ولم تترك شاردة أو واردة حتى وضعت لها الحلول الكفيلة بمعالجتها، وهو نهج تمتاز به المملكة في هذا العهد الزاهر المبارك.

وبما أننا مجتمع عائلي بامتياز، فإن هذه الإجراءات التصحيحية تصب في مصلحة الشباب في المقام الأول، لأن حوالي ثلثي أفراد الشعب السعودي هم من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 - 35 عاما، وقد عانت هذه الشريحة الغالية وما زالت تعاني من صعوبة الحصول على مسكن خاص في ظل تزايد تكاليف البناء وارتفاع مبالغ الإيجارات، وهو ما يدفع الشباب للعزوف عن الزواج. لذلك يأتي اهتمام القيادة بهذه الفئة تجسيدا لما نادت به الرؤية ببناء المجتمع الحيوي وتعزيز جودة الحياة.

لذلك فإن الإجراءات التي سيتم اتخاذها كفيلة بإيجاد الحلول الناجعة لكل المشكلات ذات العلاقة، حيث تشمل رفع الإيقاف عن التصرف بالبيع والشراء والتقسيم والتجزئة، وإصدار رخص البناء، واعتماد المخططات للأرض الواقعة شمال مدينة الرياض والتي تزيد مساحتها الإجمالية على 81.48 كيلومترًا مربعًا.

كذلك صدرت التوجيهات للهيئة الملكية لمدينة الرياض بتوفير أراضٍ سكنية مخطّطة ومطوّرة للمواطنين بمقدار 10 و40 ألف قطعة سنويًا، خلال السنوات الخمس المقبلة، بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع بشروط تضمن استخدام تلك الأراضي للأغراض المحدّدة وعدم استغلالها لتحقيق مكاسب مادية بحيث يحظر بيعها، أو تأجيرها، أو رهنها، أو التصرف بها بأي شكل من أشكال التصرف خلال 10 سنوات عدا الرهن لأغراض تمويل البناء.

كما تم في ذات الإطار التوجيه بإجراء تعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء خلال مدة لا تتجاوز 60 يومًا، بما يكفل تعزيز المعروض العقاري. واتخاذ الإجراءات النظامية اللازمة خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا لضبط العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، وتكليف الهيئة العامة للعقار والهيئة الملكية لمدينة الرياض برصد ومراقبة أسعار العقار في العاصمة والرفع بتقارير دورية.

ومن المعلوم بالضرورة أن الحق في السكن هو أحد الحقوق الأساسية للإنسان، حيث يتمثّل في حقه في إيجاد المسكن والمأوى اللائق، وقد تم تضمين هذا الحق في كثير من الدساتير الدولية، فالمادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن «لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته. ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية، وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة».

ومن المزايا الاقتصادية الرئيسية لهذه الإجراءات أنها تأتي استكمالًا للجهود المبذولة والهادفة إلى حفظ السوق من الممارسات الضارة، وضمان توفير بيئة سكنية ملائمة للمواطنين ومعزّزة للاستثمار التجاري، ومتوافقة مع مساعي الدولة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وزيادة عدد سكان الرياض، وجعلها ضمن أكبر اقتصادات المدن في العالم..

كذلك فإن تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين سوف يسهم -دون شك- في ضبط سوق الإيجارات السكنية والتجارية، بما يمنع الاحتكار ويقضي على الاستغلال ويكفل تحقيق التوازن بين جميع الأطراف، ويرفع جاذبية العيش والاستثمار في المملكة، من خلال القدرة على تحمّل التكاليف، والمساهمة في استقرار القطاع العقاري. كما أن وضع سقف أعلى لنسبة الزيادة السنوية في الإيجارات، بالاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال، كالنموذج الألماني الذي يحدّ من رفع الإيجار بما لا يتجاوز 10 % خلال ثلاث سنوات، والتجربة السنغافورية التي تربط أي تعديل في الإيجارات بمؤشرات اقتصادية محددة، من شأنه أن يعزز العدالة بين المؤجر والمستأجر، ويحول دون التقلبات الحادة في الأسعار، ويعزز مفاهيم الشفافية والوضوح، بما يُمكّن المواطنين والمستثمرين من اتخاذ القرارات بشكل فعّال، وينعكس إيجابًا على الاقتصاد السعودي.

كل ذلك يثبت بوضوح أن مساعي الدولة للتطبيق الشامل لموجّهات رؤية 2030 ليس لتحقيق مجرد معالجات اقتصادية محدودة الأفق والتطلعات، بل هي روشتة متكاملة وخارطة طريق شاملة لما ينبغي أن تكون عليه الأوضاع، لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستويات كافة. وحتمًا ستجني بلادنا ثمار هذا التخطيط السليم والتنفيذ الدقيق والمتابعة المتواصلة، وستشهد في السنوات القادمة -بإذن الله- المزيد من الطفرة والتنمية والازدهار بفضل قيادتها الرشيدة التي لا تنظر للواقع الحالي فقط، بل تستصحب في رؤيتها المستقبل.