أجمل ما نتج عن الربيع العربي انتشار المقولات الساخرة مثل "لحس الكوع" باللهجة السودانية أو "تبليط البحر" باللهجة السورية. كلا المقولتين ترميان للاستخفاف والاستهزاء بقدرة الطرف الآخر على تحقيق أهدافه، لأنه من المستحيل أن يتمكن من لحس كوعه أو تبليط بحره.
قبل أيام استخف مساعد الرئيس السوداني بأحلام المعارضة التي كانت تنادي بإسقاط النظام وراهنهم مستهزئا بأن لحس الكوع أقرب إليهم من تحقيق أحلامهم. وخلال مؤتمر جنيف حول سورية قبل أسبوعين، الذي تزامن مع مضي 15 شهرا على انتفاضة شعبها وقتل 15 ألفا من مواطنيها، طالب الرئيس السوري دول العالم بتبليط البحر إذا لم تعجبهم سياسته في البطش والقتل والقمع والتهجير.
أما إيران التي تتشدق بملء الفم بالمقولتين معا، مستهزئةً بجميع دول العالم منذ عام 1980، فلقد تحدت كل من يقف ضد سياستها الخارجية بأن لحس أكواعهم أسهل كثيرا من مجرد فكرة الاعتداء عليها، ودعت مواطنيها لتبليط البحر إذا لم تعجبهم سياستها الداخلية التي أدت إلى تدهور أحوالهم الاقتصادية.
إسرائيل تأتي على رأس قائمة دول العالم في طرق الاستهزاء بشعوب الأرض قاطبة باستخدامها كافة عبارات الاستخفاف بجميع اللغات واللهجات، فهي تتمادى منذ نصف قرن بممارسة التمييز العنصري وبناء المستعمرات واحتلال الأراضي وتزوير الحقائق، ضاربة بعرض الحائط جميع الأعراف والمواثيق والمعاهدات الدولية، وكأنها تقول للعالم أجمع: إذا لم تعجبكم أفعالي الحسوا أكواعكم وبلطوا بحاركم.
منذ تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945، بدأت مقولتي "لحس الكوع" و"تبليط البحر" تأخذ المنحنى القانوني تحت غطاء شرعية حق النقض (الفيتو). من بين الأعضاء الخمسة الكبار في المنظمة، استخدمت روسيا حق النقض 123 مرة، وأميركا 76 مرة، وبريطانيا 32 مرة، وفرنسا 18 مرة، والصين 7 مرات.
خلال السنوات العشر الأولى من عمر المنظمة، استخدمت روسيا حق النقض 79 مرة، والصين وفرنسا مرة واحدة، بينما لم تستخدمه الدول الأخرى مطلقا خلال تلك الفترة. وخلال فترة عهده، استخدم وزير الخارجية الروسي "أندريه غروميكو" حق النقض 54 مرة، إلى درجة أنه أصبح يعرف في المنظمة بـالسيد "نيت"، التي تعني بالعربية "لا" وبالسودانية: "إذا ما عجبك يا زول الحس كوعك"، وبالسورية: "يا زَلَمة روح بلِّط البحر".
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، استخدمت روسيا حق النقض 4 مرات فقط، الأولى لمنع قرار ينتقد جرائم قوات صرب البوسنة، والثانية لعرقلة صدور قرار حول تمويل نشاط الأمم المتحدة الإنساني في قبرص، والثالثة والرابعة لمنع صدور قرار إدانة جرائم النظام السوري.
تاريخ حق النقض مليء بعبث الدول وتحايل الساسة على الشعوب، وهو ليس حكرا على الدول الخمس الكبرى في الأمم المتحدة، بل هو تاريخ مظلم تستثمره بعض الدول في تعتيم القلوب وتكميم الأفواه لترغم الأطرف الأخرى قصرا على الرضوخ للأمر الواقع، وإذا لم يعجبهم الوضع عليهم "لحس الكوع" و"تبليط البحر".
التقارير الرسمية الصادرة في الأسبوع الماضي تؤكد على أن الشعب السوري الأعزل بدأ رحلة معاناته من تبليط البحر. الناتج المحلي الإجمالي في سورية تراجع خلال العام الماضي سلبا إلى 4%، وارتفعت نسبة التضخم إلى 7%، كما تراجعت الصادرات السورية من 14 مليار دولار إلى أقل من النصف خلال عام واحد، وانخفض الاحتياطي النقدي، الذي كان يقدّر بنحو 17 مليار دولار، إلى الثلث.
من نتائج سياسة تبليط البحر انخفضت قيمة العملة السورية بمعدل 50% خلال عام، كما ارتفعت الأسعار بمعدل 60%، وتراجعت الودائع في البنوك السورية بنسبة 30%، وفقد مؤشر البورصة السورية نحو 75% من قيمته، وأغلقت البنوك الأجنبية حسابات السوريين لديها وأوقفت تمويل عمليات الاستيراد إلى سورية، كما أوقفت خدمات الحوالات المصرفية.
أما السياحة، التي تمثل نحو 12% من حجم الدخل القومي، فلقد تراجعت بأكثر من 95%، وتوقفت الاستثمارات الأجنبية والعربية في هذا القطاع، كما أعلنت الحكومة السورية توقف كافة مشاريعها الاستثمارية السياحية.
وفي القطاع الخاص تم إغلاق 597 مصنعا و788 شركة، وجرى تسريح 18760 من العمال والموظفين، وارتفعت نسبة البطالة إلى 30% من قوة العمل، وأصبحت سورية تعاني من نقص في المواد الأساسية، كالمحروقات والدقيق وقطع الغيار، وازداد انقطاع الكهرباء عن دمشق بمعدل 6 ساعات يوميا.
وفق آخر تقارير التنافسية بين دول العالم الصادر في 2011، الذي يشمل 139 دولة و12 معيارا للمنافسة، تراجعت سورية، بسبب انشغال شعبها في تبليط البحر ـ كما يظن بشارـ من المرتبة 78 إلى المرتبة 97 على مستوى العالم، كما انخفض المركز السوري في معيار البنية التحتية إلى المرتبة 105 وفي الانفتاح الاقتصادي إلى المرتبة 58 وحصل على المرتبة 67 في الصحة والتعليم الأساسي والمرتبة 107 في التعليم العالي و115 في كفاءة التصنيع و132 في كفاءة سوق العمل و124 في التنمية الاقتصادية و111 في الاستعداد التقني و128 في معيار الإبداع. وطبقا لتقرير الشفافية العالمي الصادر في نهاية العام الماضي، احتلت سورية المرتبة 116 في استشراء الفساد والمركز 73 في ضياع أموال الدولة و107 في استقلال القضاء و139 في متوسط دخل الفرد.
إذا استمر الرئيس السوري في محاولاته اليائسة لإقناع العالم بشرعيته فقد يحقق ما تبقى من شعبه المرتبة الأولى بين شعوب الأرض في تنافسية لحس الكوع أو تبليط البحر.