من أيلول إلى آذار عاش ومات الفنان الفرنسي ألفريد غيو بعد أن صنع لوحته الشهيرة «الوداع». لستُ أدري لو حلّقت روحه الآن فوق سماء غزة فماذا ستقول؟! ولو تجمّعت رفاته وتكتّلت عظامه وسلكت الدربَ قرب شاطئ غزة فماذا ستفعل؟! وكم لوحة كلوحته وفكرة كفكرته سيحتاج ليُبدّل الحُفر بالظلال والجوع بالعتمة والقهر بقطعٍ من القماش المتنسّل. في لوحته لمحة مفجعة دقائقها قصيرة، وفي غزة ملحمة طويلة وكارثة نازفة. في لوحته لحظة وداع بين بحّار وابنه الغارق، وفي غزة لا يُسمح بالوداعِ، فقد مات المودّعون سوية ومات الوداع معهم. في لوحته مشهد يمزج عنف الطبيعة بقسوتها، وفي غزة يتكاتف القتلة والمجرمون والظالمون لإفناء البشر والحجر، ونحر الطفولة والكهولة. في اللوحة يتبدى حنان الأب أمام قَدَرٍ لا يرحم، وفي غزة يلملم الأبُ في شواله أشلاءً لطفلهِ، ومعها خصلة شعرٍ تعود لطفلِ جاره الذي مات اليوم، ومات أبوه في الأمس. في اللوحة روحٌ تنتفض وتختنق، وفي غزة خيمةٌ ترتجف وتحترق. في اللوحة رسالة فُتحت ففهمها كلّ من رآها، وفي بحر غزة رُميت آلاف وآلاف من الأوراق الحمراء الممزّقة في زجاجاتٍ قَطَعت البحارَ، ولم تظفر بسرابٍ لجزيرة واحدة. في اللوحة صورة درامية تعكس العلاقة بين الإنسان والبحر، وفي غزة حالة تراجيدية تحتاج مسرحا مساحته هي مساحة غزة، المخرِجون والمنتجون له مجموعة من الجزّارين المدججين بأدوات الموت، يتفننون بتشخيص سيناريو وأد الأيتام وذبح الأرامل. أما المتفرّجون فحدّث ولا حَرَج، وأخيرا في اللوحة يتحوّل المحيط من مصدرٍ للحياة إلى سببٍ للفناء، وفي غزة تتحول الأرض المحاصرة إلى مقبرة مفتوحة، ويتحول العالم إلى محكمة ظالمة أحكامها بلا استئناف.
رحم الله شهداء فلسطين، وعُذرا يا ألفريد، لأنني قد نبشت قبرك!