الذكريات هي الوجدان الصادق الذي يسكن أعماق الإنسان، لا يفارقه مهما تعاقبت الأيام وتبدلت الظروف. إنها الحاضر المستمر لما غاب، والظل الذي يرافقنا كلما حاولنا مواجهة الحياة بعد فقد من نحب.

قد نكون في سبات عميق خلال وجودنا في الحياة، نركض خلف تفاصيلها، ونتوه في زيفها، لكننا نستيقظ وندرك، ونتألم:

- عندما نفقد عزيزاً رحل بلا عودة...


- عندما تتبدل ملامح الزمن ويتقدم العمر بمن نحب...

- عندما نتأكد بأن الحياة الافتراضية مجرد خيال...

- عندما نرى سرعة الزمن مخيفة...

- عندما نصطدم بمرارة الواقع...

- عندما نعلم بأن الماضي لا يعود أبداً...

الفقد هو أقسى ابتلاء يمر به الإنسان، أن يرحل من أحببناهم بصدق، أولئك الذين نقشوا محبتهم في قلوبنا، ومضوا دون رجعة. ومع ذلك، تبقى ذكراهم حاضرة، تتردد بين أضلعنا، تسكن تفاصيلنا، وتحيا معنا في كل لحظة. أماكنهم الشاغرة لا يملؤها أحد، وحنيننا لهم لا يخبو مهما طال الزمان.

حين نفقد، يتعرض القلب لمجازر لا تُرى، طعنات تمزقنا بصمت، تملأنا يأساً واكتئاباً، وتغرقنا في التفكير بكل من غادرنا. نتساءل بألم: متى كان آخر لقاء؟ ماذا دار بيننا؟ هل كان وداعنا لائقاً بحب عزيزٍ رحل؟ هل قلنا لهم ما يجب أن يُقال؟ أم أن الكلمات ماتت في صدورنا؟

كم هي قاسية لحظات الندم حين نقف على قبور أحبتنا، نسترجع تفاصيل لم نُعطها قيمتها، ونبكي على زلات لم نغفرها. لذلك، ولأجل من نحبهم وهم بيننا، اغفروا لهم، تجاوزوا، عبّروا عن حبكم، فالحياة قصيرة، واللحظة التي تذهب لا تعود.

الماضي لا يعود، لكنه يسكن فينا، يعيش في نظراتنا، في أعيننا التي تفتقد، وفي قلوب لم تبرأ. وها هو شريط الذاكرة يعيدنا إلى الوراء، لا ليعذبنا، بل ليذكرنا بأن الحياة زائلة، وأن البقاء الحقيقي للقلوب الطيبة، للأثر الجميل.

الحياة غرور، وبريقها زائف، ومن انشغل بها فقد ضيّع نفسه، لكن من تجهّز للقاء الله، وتذكّر أنها لحظات، فقد عرف معنى الفوز الحقيقي.

من رحلوا لم يغادروا حقاً، بل بقوا في أرواحنا، يضيئون ظلام الوحدة، ويمنحوننا قوة نواجه بها الحياة. والنجاح الحق هو أن نحيا ونحن نعدّ الأيام للقاء أجمل، حيث لا وجع ولا فراق.

ولأن الله لطيف بعباده، وهبنا الأمل والنسيان، خيطان رفيعان نتمسك بهما حين تضيق بنا الحياة. حين نيأس، يولد فينا الأمل، ونشعر بالحياة من جديد، وكأنها تُولد في أرواحنا مرة أخرى. فالشغف، والأمل، ومواجهة الأيام، وإشغال النفس بكل جميل ومفيد، هي الأسلحة التي نحملها في وجه جيوش الأحزان، لنحيا، ولا ندع الحزن يسرق منّا نور الحياة.

أكتب هذا المقال لي، ولكل من فقد وأصبح الحزن يجتاح قلبه. لكل من عانى، أكتب عني، وعنكم، عنّا جميعاً. دعوه يسكن قلوبكم، لعلّه يكون بلسماً في زمن الحزن، أو يهمس لكم بأنكم لستم وحدكم، وأننا جميعاً نرجو لقاء لا فراق بعده.

نمضي في دروب الحياة وقلوبنا معلّقة هناك... حيث تركنا أحبتنا، حيث اشتدّ الحنين، حيث لا يُطفئ الشوق سوى اللقاء. وسنواجه الحياة بكل صمود، وشغف، وإيمان. سنرضى بقضاء الله وقدره، ونحمده على ما كتب لنا، ونكون شاكرين في السراء والضراء، راضين بحكمته التي لا تخيب.