منذ سمعتُ هذه الحكاية في شهر ديسمبر الماضي وأنا (أهوجس) بها؛ لأنَّها تجمع خليطًا عجيبًا، تدينًا وزندقة، وقد تذكَّرتُ مصطلح أفعالِ الخلوات الذي يأتي ذكره كثيرًا بين المتديّنين كقول (ذنوب الخلوات)، ويُراد به -كما أظنّ- أنَّ الخلوات ذروةُ الصفاء، وبها تخرج حقيقة الإنسان، ففكرتُ بهذا الشيخ الزنديق من خلال منظار مصطلح الخلوات، لكنَّ المشكلةَ أنَّ هذا الشيخ يقلب الطاولةَ على مضمون المصطلح؛ لأنَّه متألهٌ في الخلوات، وأمَّا الذنوبُ فهي في الجَمْعات، فإذا كانت حقيقتُه التَّدين في الخَفاء فلماذا يتزندق في العلن؟ ثم تذكّرتُ أنَّ صديقي تحدَّث عن الشيخ في خلواته، فكيف لخلوةِ الشَّيخ أن تكون خلوة وصديقي موجود فيها؟ لكن ما دام أنَّ الشيخ يُخرج زندقتَه في العلن فليس مضطرًا للكذبِ على صديقي، فلماذا -إذن- لا تكون الخلوات مأخوذة من لفظ الخلاء بغض النظر عن وجود شخص يُراقب؟ ولهذا طرحت السؤال التالي: لماذا لا يُستثمر مصطلح الخلوات في سوقِ التأمل الأكبر؛ لأنَّه يكشف الحقيقةَ كما هي بطرق متنوعة، وسأفكِّر به من خلال انكشاف الذاتِ لصاحبها كما هي في الخلوة والخلاء ثم الإقدام على وصف ما رآه في خلوته، وسأطرحه سؤالًا: هل يُمكن للذات أن تتغيّر حين تُترجَم إلى حروفٍ مكتوبة؟ لأني أستبعد أن يكون أحدٌ ما يكتب باسم الشيخ؛ لأنَّ أفعاله في الخلاء تمنع العبثَ باسمه في العلن. لهذا فربما أنَّ الخلاء والخلوة التي نفهمها -كخلوةِ الأنبياء مثلا- تجعلنا نرى من الذاتِ أشياء موجودة فيها لا تترجمها إلا الكتابة. ولهذا لما قلتُ لصديقي ما فكرتُ به وصفَه بانشطار الذات إلى جزئين، الجزء الأول هو ما يظهر لنا أو ما نستطيع أن نصل إليه في العلن، وأما الجزء الآخر فشرط تجلّيه الخلوة والخلاء، ولا يظهر إلا بالكتابة. وربما من هنا كانت الكتب المقدسة مفارقة لأصحابها الرسل وفي الوقتِ نفسه معبرة عن شيءٍ عميقٍ في ذواتهم.
التفاتة:
يُحكى عن أحد الفراعنة أنَّ الإله (تحوت) علَّمه الكتابةَ، لكنَّ هذا الفرعوني حذر منها؛ لأنَّها ستُظهر الناسَ بلباس الحكمة، وهم أحمق أهل الأرض قاطبة. وهكذا نحن الكُتَّاب -في نظر صديقي- حكماء بالقلم وبالغياب، حمقى باللسان وبالحضور، لكن لا أظن أنَّ الشيخ الزنديق يعتقد اعتقاد صديقي، لأنَّ مَن جرَّبَ الخلوات عرفَ أنَّه لا يُوجد شيءٌ نقيٌ أصلًا، حتى الحضور أمام الناس مليء بالاختلافات والفجوات.