يعد تركي العسيري واحدا من المهتمين الأوائل بالكلمة والحرف، فقد بدأ اهتمامه بالكتابة والنشر في أواخر الثمانينات الهجرية حين كان يحرر صفحات من عسير بمجلة المنهل, ويبدو أنه آنذاك لم يكن قد التفت إلى الفن القصصي التفاتة حقيقية على الرغم من أنه أحد رواد هذا الفن، إذ لم ينشر كتاباته القصصية إلا بعد ذلك بنحو عشر سنوات, وهو يذكر أن أول قصة نشرتْ له كانتْ سنة 1397هـ بجريدة الجزيرة, ثم إنه تأخر أيضا، ثلاثة عشر عاما، في إصدار مجموعته القصصية: "من أوراق جمّاح السرية" التي لم ينشرها إلا سنة 1410هـ, وهي مجموعة تمتاز بالجرأة في تناول بعض الموضوعات, مثل: الطبقية الاجتماعية في قصة: "الفجيعة"، والحب في قصة: "شريفة الأحول تهرب", التي تختلف عن غيرها في تقنياتها نتيجة هروب البطلة الذي صار فعلا رامزا على المستويين الفني والاجتماعي في آن واحد.

تقول الدكتورة لمياء باعشن عن هذه القصة: "وفيها يقوم بتحطيم قواعد المألوف لتحريك المتلقي باتجاه وعي جديد، وذلك بتقديم نفسه ككاتب قصة يعرفنا ببطلة قصته على أنها شخصية مختلفة ركبها خياله هو حتى كبرت عن حدود قصته وهربت فلا يجد قصة يكتبها بلا بطلة", وهو ما أدركه تركي العسيري نفسه حين قال عن هذه القصة: "المرة الوحيدة التي أحسست أنني فشلت في ترويض البطل في قصة: شريفة الأحول تهرب، فقد تمرد البطل على النص وخرج من شرنقة الدور المرسوم له, ليعلن العصيان بكل أسف"، والعصيان هنا لا يقف عند عصيان "شريفة"، وإنما يتجاوزه إلى حالة عامة من البحث عن "الفكاك" من شرانق كثيرة.

تركي العسيري يتناول ـ منذ وقت مبكر ـ القضايا المخفية التي يشترك فيها المجتمع السعودي كله, لكنه يصبغها بصبغة محلية باعتماده على الأسماء والأنساب الدارجة في بيئته البناوية بألمع الشمالية، على الرغم من أنه غادرها إلى بيشة، منذ سنوات طويلة, كما هو الحال في قصة: "مقاطع من حياة جابر البناوي"، مثلا.

هذا الأديب الودود جدير بفعل ثقافي أو تكريم يهبه مكانته بصفته رائدا اجترح الفن باقتدار، قبل أن تهتدي إليه ذائقة المتلقين الذين كانوا يرون في القصيدة الأدب جله.

تركي العسيري القاص، متجاوز لشقيقه كاتب المقالة بأميال فنية طويلة؛ ذلك أنه في المقالة لا يريد سوى إيصال الفكرة كما تخلقت في ذهنه، أما في القصة فإنه يذهب إلى "خط النهاية" في الابتكار والترميز واستثمار كل ما يمكن أن يوحي بممكن، وتلك براعته المبكرة التي يتحتم احترامها، لأنها "تقدمية" فنيا بالنسبة إلى زمني الكتابة والنشر.