التحولات التاريخية لا تأخذ مكانها بين ليلة وضحاها، بل تتشكل عبر تراكمات قد تمتد لعدة عقود، ويتحقق التراكم بشكل أفقي وتراتبي يشمل معظم الأنشطة والفعاليات العسكرية والسياسية والاقتصادية. ولا يشكل انبثاق الأنظمة الدولية الجديدة خروجا على هذا القانون.

فالنظام الدولي الذي انبثق بعد الحرب العالمية الأولى، هو تعبير عن تضعضع الإمبراطوريات، التي غابت شمسها. لكنه لم يكن نتاج تلك اللحظة. فقد هيأت له عقود سبقته، تمثلت في استقلال دول البلقان عن السلطنة العثمانية، وتراجع دور قيصر روسيا، وسقوط نظامه بعد ثورة أكتوبر 1917م. وبروز قوى فتية جديدة تمكنت من منازلة النظام الدولي القديم وألحقت به الهزيمة في الحرب. وكان النصر في الحرب قد توج بإعلان انبثاق نظام دولي جديد. ويصدق القول أيضا، على النظام الدولي الجديد الذي انبثق بعد الحرب الكونية الثانية، وهزيمة دول المحور، وتراجع دور الاستعمارين التقليديين، البريطاني والفرنسي لصالح صعود قوة الإمبراطوريتين الأمريكية والسوفييتية. وقد تأكدت شهادة ميلاد هذا النظام باكتشاف القنبلة النووية، واستخدامها للمرة الأولى والأخيرة، في هيروشيما ونجازاكي باليابان.

بل إن الكثير من الراصدين لتطورات الصراع الدولي، في تلك المرحلة، وجدوا في إلقاء القنبلتين النوويتين على اليابان، إنذارا للسوفييت، وإعلانا لهم أنهم أصبحوا في الخلف من القوة الأمريكية العسكرية الطاغية. لكن السوفييت أفشلوا هذا الإنذار بسرعة إنتاجهم للسلاح النووي لتتساوى معادلة صراع الرعب، وليتحول النووي إلى سلاح ردع، ليس لاستخدامه سوى معنى واحد، هو الفناء المحتم للبشرية بأسرها.

استمر النظام الدولي الذي أعقب الحرب الكونية الثانية، بثنائية قطبية، إلى نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، حيث كانت مقدمات سقوطه، شيخوخة الإمبراطورية السوفييتية، وتفاقم أزماتها الاقتصادية، التي عبر عن حدتها بروز ميخائيل غورباتشوف، وتبنيه لسياسة الانفتاح الاقتصادي. ولتنتهي تلك السياسات بسقوط حائط برلين، وانهيار الكتلة الاشتراكية، والسقوط المدوي للاتحاد السوفييتي نفسه. ولم يكن ذلك كافيا لإعلان سقوط النظام الدولي القديم، وانبثاق نظام بديل، فمثل ذلك كما جرت العادة ينبغي تعميده بالدم. وكانت حرب الخليج الثانية فرصة سانحة لإعلان شهادة الميلاد لنظام الأحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة.

الآن بعد أقل من ربع قرن على إعلان تلك الشهادة، يبدو العالم على أعتاب مرحلة جديدة، تتمثل في عودة روسيا والصين بقوة إلى المسرح الدولي. ولتكون أحداث سوريا، فرصة سانحة للعمالقة الجدد، ليعبروا عن قوة حضورهم على المسرح، من خلال استخدام مزدوج ومتكرر للفيتو في مجلس الأمن. والقضية كما بدت ليست صراع حق ضد باطل، أو التزاما بمعايير القانون الدولي وأحكامه، قدر ما هي صراع إرادات، بين قوى متنافسة تطمح لتأكيد حضورها وفاعليتها على المسرح. أما الآخرون، في العالم الثالث، فليسوا سوى بيادق تستخدم في لعبة الشطرنج، بين عمالقة القوة، ساحته أراض يتنافس اللاعبون على الفوز بها.

ما مؤشرات انبثاق النظام الدولي الجديد، الذي يتوقع أن يكون نظاما متعدد الأقطاب؟

سؤال تقتضي الإجابة عليه، تكريس عدد من الأحاديث، سنحاول في هذه العجالة الإشارة إلى بعض ملامح تراجع النظام الدولي الذي ساد في العقدين الماضيين، ذي الأحادية القطبية الممثلة في الولايات المتحدة، ومؤشرات بروز النظام الجديد، وسندع التفاصيل لأحاديث أخرى قادمة.

الملمح الأول، التراجع الواضح للقوة الاقتصادية الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي باستثناء ألمانيا، وبروز العملاق الصيني اقتصاديا، والتعافي الاقتصادي والسياسي والعسكري للدولة الاتحادية الروسية، بما دفع بالمفكر الاستراتيجي الأمريكي، صامويل هانتنجتون للحديث عن عالم متعدد الأقطاب، لكن بقيادة أمريكية.

وكانت مؤشرات التراجع الأمريكي- الأوروبي قد أفصحت عن نفسها بوضوح عام 2008، بفعل الأزمة المالية والاقتصادية، وجوهرها الفساد والخلل في إدارة القضايا الاقتصادية الاستراتيجية، التي حاولت الإدارات الأمريكية والأوروبية احتواءها دون جدوى. وكان مفتاحها أزمة الرهن العقاري بالولايات المتحدة. ولا تزال هذه الأزمة تلقي بظلالها بقوة على الأوضاع الاقتصادية في أمريكا وأوروبا، حيث تتمحور الآن في أزمات الديون السيادية في عدد من البلدان الأوروبية، وبشكل خاص في اليونان وإيطاليا والبرتغال، مهددة بطرد اليونان من الاتحاد الأوروبي، وربما بانفراط عقد الاتحاد ذاته. ولا شك أن مخاطر الانهيار الاقتصادي في أمريكا وأوروبا لن تقتصر على هذه البلدان وحدها، بل ستشمل العالم بأسره، نظرا لثقلها الاقتصادي، واتساع التبادل التجاري بينها وبين دول العالم.

ومن غير شك، أن التأثيرات السلبية لهذه الأزمات ستطال القوى الاقتصادية الصاعدة في الصين وروسيا والهند بدرجات متفاوتة، وذلك بحكم تداخل المصالح والمنافع بين الدول جميعا في عالم اليوم. لكن هذه الدول تمكنت من السيطرة على تداعيات تلك الأزمة، على أن ذلك لم يمنع من تراجع معدلات النمو الاقتصادي فيها عن الوتيرة التي كانت عليها قبل الأزمة.

وكان من نتيجة الإدارة الجيدة للأزمة في البلدان الصاعدة، أن احتلت الصين موقع ثاني أكبر اقتصادات العالم بعد الولايات المتحدة عام 2011م, وحققت خلال العام الماضي معدلات نمو قدرها 10%ـ وتتوافر لديها احتياطيات ضخمة من العملات الصعبة، وتمويلات حكومية كبيرة. وهي أكبر دولة مصدرة في العالم، الأمر الذي يعزز موقعها كقوة اقتصادية عظمى. وعلى صعيد الهند، تراوحت تقديرات النمو فيها بين 9 و7%. في حين حققت روسيا معدل نمو قدره 6%. ومن البديهي أن يصب التحسن في معدلات النمو الاقتصادي في هذه البلدان لصالح تعزيز عناصر قوتها الاستراتيجية والاقتصادية.

وعلى الصعيد العسكري، تأتي الولايات المتحدة في الدرجة الأولى في الإنفاق على ترسانتها العسكرية، وتليها الصين ثم روسيا. وإذا ما أخذنا بالاعتبار القيمة الحقيقية للياون الصيني والروبل الروسي داخل بلادهما، مقارنة بالدولار الأمريكي، أيضا داخل بلاده يتضح لنا ضخامة حجم إنفاق هذه البلدان على تطوير قوتهم العسكرية.

هل تكفي هذه المؤشرات للقول بأننا على أعتاب نظام دولي جديد؟ ذلك ما سوف نحاول الإجابة عنه في أحاديث قادمة بإذن الله.