لا يُطمس من تاريخ المنطقة، دور الرياض المؤثر في العديد من الملفات العربية والدولية الملتهبة، التي عصفت وما زالت تعصف بغبارها لتُفقد البعض رؤية سياسية واقعية كانت مطلوبة لحفظ الشرق الأوسط وعواصمه من مشروعات وأجندات مشبوهة، لينقشع على صفاء بصيرة المملكة، وقراءتها العميقة في معالجتها الساعية لتمكين مصالح المنطقة ودولها.
برجوع إلى زمن قريب، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يُحسب إلى المملكة العربية السعودية تصديها لموجات المد السوفيتي التي كانت تستهدف استقرار الدول العربية، بل قادت حربًا غير مباشرة أدت إلى سقوط قلعة من أهم قلاع الاتحاد السوفيتي؛ أفغانستان، قبل انهياره.
ولا شَطَط في ادعاء أن المملكة بسياساتها وعلاقاتها التحالفية؛ ساهمت بقدر كبير في تشكيل عالم القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
قبل عامين كتبتُ قراءة استشرافية توضيحية لدور المملكة، خلصت بها؛ أن معسكرًا جديدًا بدأ بالبزوغ على الساحة السياسية الدولية، وأن الاصطفافات التقليدية بين المعسكرين الصيني- الروسي والأمريكي- الأوروبي فقدت تأثيرها على الساحة دولية، لتقود السعودية توجهًا اقتصاديًا بمسارات سياسي متكاملة؛ بموقعها الجيوسياسي، ورؤاها الاقتصادية المتقدمة والطموحة، وقيادتها الإقليمية المنفتحة على المسرح الدولي الأوسع، فاستطاعت تهيئة المناخ بخلق مقدار من توازن سياسي بين دول العالم، الخروج دائرة اصطفاف معسكراته بمبادرات ذات منطلقات عربية موحدة وتطويعها، في توقيت حرج سياسيًا على أكثر من صعيد، والذي أضحت نتيجته المباشرة، أفول نجوم بعض الدول.. وانبلاج بعضها الآخر، ليعاد رسم خارطة المنطقة بسعي سعودي حقيقي قائم على تصفير الصراعات بطابعها العسكري، والاتجاه نحو الاستثمار بتهيئة الفرص المستقرة، من خلال بناء الدول الوطنية القادرة على حفظ شعوبها من عبث طموحات ممن يعيشون أوهام القوة وهيمنة التوسع.
الشعوب العربية اليوم.. ترى وتدرك جهود الدبلوماسية السعودية، من إيمان عميق برؤية وبصيرة قيادتها الحكيمة؛ فهي منارة العرب التي منحتهم أمل حقيقي.. ونور وسط ظلام الصراع، لترشد المنطقة برمتها إلى شواطئ التقدم والازدهار والاستقرار بإزالة أسباب الصراع المقيت بشكل جذري ونهائي.