بعض الأفعال تُعد جرائم بمجرد وقوعها، دون أن يترتب عليها أي ضرر، وتُعرف هذه بالجرائم «الشكلية» أو«المطلقة»، على سبيل المثال حيازة المواد المخدرة أو الأسلحة غير المرخصة، أو القيادة تحت تأثير الكحول، في مثل هذه الحالات لا ينتظر القانون أن يُصاب أحد أو تقع كارثة، بل يُعاقب الفاعل لمجرد ارتكابه الفعل المحظور، الفكرة هنا أن القانون يتدخل مبكرًا ليمنع الخطر قبل أن يقع، حفاظًا على النظام العام وحماية للمجتمع.
وعلى الجانب الآخر، هناك ما يُعرف بالجرائم «المادية»، وهي التي لا تكتمل إلا إذا نتج عنها ضرر واضح، مثلًا، لا يُعتبر القتل جريمة إلا إذا وقع موت فعلي، ولا تُعد السرقة مكتملة إلا إذا سُلب المال من صاحبه، في هذه الجرائم يجب أن يكون هناك أثر ملموس للفعل، وأن تثبت العلاقة بين الفعل والنتيجة، لكن القانون لا يتوقف عند هذا الحد، فحتى محاولة ارتكاب الجريمة، وإن لم تكتمل، تُعد في حد ذاتها جريمة، فإذا أُمسك شخص وهو يحاول سرقة متجر قبل أن ينجح، فإنه لا يُعفى من المسؤولية ما دام قد بدأ في التنفيذ وظهرت نيته واضحة، فإن القانون يراه جديرًا بالعقاب، بل إن بعض الأنظمة القانونية تُعاقب على التهديد بارتكاب الجريمة أو التحريض عليها، حتى وإن لم تُنفذ، فالتحريض على القتل أو التآمر لتنفيذ عمل إرهابي مثلًا، أمور لا يُستهان بها، والقانون يتعامل معها بجدية تامة.
في النهاية، يمكن القول إن الجريمة ليست فقط ما يُحدث ضررًا، بل ما يُهدد بوقوعه أيضًا، فالقانون يُحاسب على الفعل، وعلى النية، وعلى الخطر الكامن، وليس فقط على النتائج، وهذا ما يجعل المنظومة الجنائية متيقظة دائمًا، لا تنتظر حتى تقع الكارثة لتتدخل، بل تحاول أن تمنعها قبل أن تبدأ.