يقوم الرئيس المصري الجديد الدكتور محمد مرسي اليوم الأربعاء بزيارة رسمية إلى المملكة، وهي الأولى له خارج مصر منذ أن فاز بمقعد الرئاسة، وهذا في الواقع أحد أكثر الأخبار إسعاداً لي وللسعوديين، وهو الشعور ذاته ألمسه عند أشقائنا المصريين.
فعلاقة مصر بالمملكة حكومة وشعباً هي علاقة محورية واستراتيجية، وتكتسب أهميتها من انسجام المواقف بين المملكة ومصر، ومن هنا فإن استقرار مصر بعد حسم الانتخابات يجعل العالم متطلعاً لاستعادة مصر لدورها الرئيسي في العالم العربي والذي تعرض لهزات مشهودة في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، وبانتظار ما ستفرزه تحولات الموقف في سورية ومن ثم عودتها إلى المحيط العربي وتحديداً في انسجام مواقفها مع المملكة ومصر.
ولأنني موجود هذه الأيام في القاهرة فقد انهمكت في قراءة التحولات التي تعيشها مصر ورصدها – جزئياً – عبر ما ينشر في صحفها القومية وغيرها من مقالات الرأي التي لفت نظري فيها خلوها من عبارات التبجيل والتفخيم، بل إن بعضها في ظني قد تجاوز حدود اللياقة ولباقة المخاطبة على نحو يجعلك تشعر أن الكاتب "يمون" وبالطبع فإنني ضد التصنيم والنفاق الزائد والممجوج.
لكنني أيضاً مع ضرورة حفظ المسافة بين المنزلتين. سأذكر لكم بعض عبارات وعناوين مقالات الرأي التي لاحظتها في بعض صحف يوم الأحد الماضي: (متخفش يامرسي) أو (إجمد يا ريس) أو (عم محمود والريس مرسي)، وكذلك (لا تقلق يا دكتور مرسي).
وبنظرة عابرة سيلمس القارئ للصحف المصرية أن رأي كتابها منصرف بالكلية إلى توجيه الرئيس مؤيداً ومناصراً على طول الخط، أو محذراً من (أخونة الصحافة)، أو الحديث عن (مستقبل الصحف القومية)، أو (مؤامرات الإخوان والإعلام المستباح)، و(جريمة السويس ونفاق السلطة الجديدة).
حتى في الرياضة هناك مطالبات مثل: (الرئيس وتحديات الرياضة) وكاتب رياضي آخر يكتب (دكتور مرسي هل تسمح لي بمقابلة؟).
في التحقيقات الصحفية يبرز أحدها عن (السياحة دفعت فاتورة الثورة وتنتظر من مرسي تعويض خسائرها)، وفي العناوين المرشدون السياحيون: (اسمع منا.. نريد لقاءك فلدينا أفكار لا يهتم بها أحد)، أما أصحاب البازارات فيقولون: خسرنا 90% من تجارتنا.
أما الكاريكاتير كنموذج فيظهر لك شخصاً إخوانياً ملتحياً وهو يخاطب ملتحياً مثله فيقول: (حنشوف مين هيشتغل "زكريا عزمي" ومين "صفوت الشريف" ومين "أحمد عز" بس الكتاتني هيشتغل "فتحي سرور") وواضح من لغة وشكل اللوحة المرسومة أن هناك إسقاطا على أن النظام الحالي سيعيد إنتاج النظام السابق.
ولأن جريمة قتل طالب السويس قد هزت المجتمع المصري باعتبار التصرف الفردي المتطرف للقتلة، والذين تبنوا ذلك العمل كونهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد تبرأ عدد من خطباء منابر الجمعة من هذه الجماعة ومن هذا السلوك الخارج عن شعيرة الأمر بالمعروف وبالحسنى، وقال أحد الخطباء: ليس كل من أطلق لحيته يعتبر شيخاً.
الخلاصة من كل ما مضى أن مصر تسلخ جلدها وتغير نهجها، بل إنها تحاصر الرئيس الجديد باحتشادها أمام بيته ومكتبه بقوائم طويلة من المطالب بقدر يجعل مصر ورئيسها تنكفئ على نفسها في الأشهر القادمة لحلحلة الملفات والقضايا الداخلية العالقة.
في مسألة "الموانة" والتبسيط مع الرئيس الجديد لاحظت أن بساطة الرئيس مرسي حقيقية وليست مصطنعة، فهو ما زال للتو لم يتلفع بمهابة كرسي الرئاسة والتي تتنامى شيئاً فشيئاً بمرور الوقت والأهم ألا تزيد عن المعقول، بحيث تقيم الحواجز بين القائد وشعبه، وأن يتم هذا بالحيلولة دون تضخم الحاشية والبطانة التي تحيط بالرئيس، ذلك أن تورمها يحجب عنه رؤية ما يحيط به من هموم الناس ويجعل حدود المعرفة متوقفة على ما يصله من البطانة المحيطة به.
أهلاً بمصر وشعبها ورئيسها في المملكة العربية السعودية.. وأهلاً بمصر التي نحبها وتحبنا ولا جديد في الأمر فالمملكة ومصر وجهان لدولة واحدة.