أنا من طينةٍ مختلفة. لا يشغلني أن أكون في الصورة، ولا أتنافس على الظهور. لا أؤمن أن الإنسان يُقاس بعدد معارفه، أو بنجاحاته المعلنة، أو بسرعة ركضه في مضمار لا يعرف نهايته. صداقاتي محدودة، علاقاتي دائرة صغيرة، ولكني أحفظها كما تُحفظ المجوهرات القديمة في صناديق الطِيب.
أحنّ لكل ما عبر وانتهى، وما زلت أراه أجمل مما هو حاضر. أحب الأغاني القديمة، تلك التي تُشبه رسائل العشاق المكتوبة بخط اليد، لا رسائل الهواتف المبرمجة. أغنية بصوت أم كلثوم، أو فيروز، كفيلة بأن تُرمم يومًا خربته ضوضاء الواقع. لحظاتي الحقيقية لا تُنشر، ولا تُوثق، بل تُعاش بصمت، وتُختزن في الذاكرة ككنزٍ لا يُقدر.
أحتفي بفنجان قهوة، كما يحتفي العائد من معركةٍ طويلة بجرعة صمت. لا أبحث عن كثير، يكفيني طقس صغير يمنحني شعورًا بأن الحياة لا تزال تحتمل. لا أُجيد الرد على المعايدات، ولا إرسال التهاني، ليس تجاهلًا، بل لأن الكلمات الجاهزة لا تعبر عني. مشاعري لا تلبس بدلات رسمية في المناسبات، بل تمشي حافية، صادقة، أو لا تأتي أبدًا.
الحياة «أو ما يُشبهها» لا ترحب كثيرًا بأمثالي. كأنها قررت أن تعاقب من يرفض قوانينها الصارمة. تُلاحقني بتساؤلات الآخرين، بنظرات الاستغراب، وكأن البساطة جرم، أو الهدوء ضعف. تدفعني للركض، وأنا لا أجيد سوى المشي على مهل. تُغريني بالبريق، وأنا لا أثق إلا في الأشياء المعتقة، تلك التي لها روح، لا لمعة.
تصر الحياة أنني يجب أن أُشارك، أن أظهر، أن أُجاري.. وأنا أصرّ أنني لست نسخة عن أحد. أُقاوم الضغط، وأخسر أشياء كثيرة في المقابل. أُكابر حينًا، وأبكي حينًا، لكنني لا أساوم على ما يجعلني أنا.
أنا لا أرفض العالم، بل أختار زاويتي فيه. زاوية لا صخب فيها، ولا مجاملات فارغة، ولا سباق مع الزمن. زاوية صغيرة لكنها دافئة، مأهولة بالأغنيات العتيقة، واللحظات الصامتة، والعلاقات التي لا تحتاج إلى تفسير يومي.
ولمن يتساءل: هل يمكن العيش ضد التيار؟
أقول لك: نعم..!
ولكن بثمن.
وهو أن تعيش حقيقيًا في عالمٍ يعجّ بالنسخ.