كأنما يعيد التاريخ البغيض نفسه من جديد في شام العروبة والتاريخ. الشام هذه القطعة البهية من أرض الإسلام التي ما زارها عاشق إلا وعاد متيماً بها. الشام التي يشهد التاريخ نفسه على علو كعبها في حقبة ما قبل الإسلام وما بعدها إلى عصرنا هذا.
لقد عانت منطقة الشام منذ الأزل من أطماع الطامعين، فالشام حاضرة الدول التي تعاقبت على حكمها الدول وآخرها الدولة الإسلامية، التي بلغت أوجها في عهدها بتقديمها الأدوار التنويرية المختلفة، فأضحت منارة تحاكي في إشعاعها ما كانت عليه حواضر العالم المتقدم في عصرها. يذكرني الوضع الحالي الصعب الذي تمر به بلاد الشام العزيزة بالفترة التاريخية التي عاث فيها المغول فسادا على أرضها قبل أكثر من (700) عام هجري. تلك الفترة التي ارتبطت بفترة ظهور شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى)، وما صاحبها من تقلبات وعنف ودماء لطخت وجه الشام العريق، ونشرت الذعر والفساد والحقد والكراهية بشكل لم يسبق أن تعرضت له تلك المنطقة البهية من الأرض. إذ حين نقرأ عن تاريخ تلك الفترة البغيضة المظلمة والحمراء بلون الدماء، المتزامنة مع جرائم المغول على تلك المناطق والفظائع التي ارتكبتها تلك الجيوش الهمجية، ونربطها بالبشاعة التي يمارسها نظام الأسد وجيشه ضد أمة الشام وناسها، سنكتشف حتماً قوة العلاقة التاريخية التي تربطهما ببعضهما، وسنتعرف عن كثب على (أحفاد هولاكو) الذين سعوا في الأرض فساداً، وأهلكوا الأخضر واليابس، وأبادوا الحرث والنسل بطريقة لا تنتمي لأي مدرسة حربية إلا لمدرسة الأهماج والطغاة.
تلك الفترة التاريخية الحرجة التي تشكلت على ضوئها مدارس التنكيل بأهل الإسلام. وأسست لظهور الفكر الجهادي المقترن بإباحة المحظور وفكر التكفير. وقد ارتبط ذلك النوع من الفكر بمرحلة مظلمة في التاريخ الإسلامي، ارتبطت عملياً بمرحلتها السياسية الشرسة والقذرة. أوقعت الإنسان المسلم في حيرة، وأدخلته دوامة التعب الفكري والديني والسياسي، كثمرة لتلك الصراعات الدموية التي برر لها علماء الحاكم المغولي المتأسلم، الذي يسفك الدماء ويستحل معاقرة الخمر ومجالس العهر ويحكم باسم الإسلام. وبين علماء الدين الذين خالفوا ورفضوا مثل تلك الوحشية والبربرية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأعلنوا عن مواقفهم بشجاعة وصبر كابن تيمية (رحمه الله تعالى)، الذي قال (لغازان) القائد المغولي: "غنك تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بدا لنا فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجُرت". فحل (رحمه الله) بعد ذلك العقد بين الحاكم الظالم الغاشم وبين الناس فقال بتكفيرهم ونادى بقتالهم. وهو ما تطلبته أوضاع وأحوال تلك الفترة السوداء من التاريخ الإسلامي. وقد أفرزت تلك الصراعات والتقلبات فيما بعد الكثير من المفاهيم الخاطئة المترنحة، التي ما زالت تعاني منها الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا.
لقد فعل المغول بحقدهم وظلاميتهم بالمسلمين أبشع ما يمكن أن يُكتب في التاريخ الإنساني. وها قد كشر أحفاد هولاكو وأحفاد المغول عن أنيابهم على أرض الشام في إعادة غبية لتاريخ الحقد والظلام. (49) عاماً من حكم البعثيين في سورية، لم يقدموا ما يشفع لهم بالبقاء في سُدة الحكم والقيادة. (49) عاماً بدأها البعثيون بالحديد والنار والدماء وتطاير الرؤوس، وهاهم يختمونها كما بدأوا بالقذائف وقطع الرؤوس بالمناشير دون رحمة أو وازع ديني أو رادع عرف إنساني أو أخلاقي. عاد أحفاد هولاكو بشكلهم الجديد المخادع المتمثل في سُلطة حزب البعث وشعاراته المزيفة. تلك الشعارات والمبادئ المُبهرجة، التي سلبت الشعب سلطته وجردت الدين من روحانيته وعبقريته. فهذه الزمرة التآمرية التي حكمت سورية منذُ الـ(20) من مارس (1963م)، والتي أدخلت البلاد في صراعات اليسار واليمين حتى وثب حفيد هولاكو الكبير (حافظ الأسد) إلى رأس السلطة في العام (1971م)، ليقمع بعد (10 سنوات) في العام (1981م) بدموية وشراسة جميع معارضيه في مدينتي حماة وحمص وغيرهما من المدن السورية. ويحق للشعب السوري الذي يتوق للتحرر من نير أغلال هؤلاء الفاسدين القتلة، الذين لا يراعون في الناس إلاً ولا ذمة ولا دماً ولا حرمات؛ أن يطالب بحقوقه المسلوبة عبر عقود تاريخية من قِبل عصابة المغول الجدد. صحيح أن اللعبة السياسية مختلفة على طاولة الشام حالياً بصراعات القوى العالمية، وارتباطها بمصالحها الاقتصادية والسياسية، لكن القمع والمجازر اليومية البشعة لا تختلف كثيراً عن تلك التي فعلها المغول في بشاعتها وقسوتها وألمها. لقد تمكن المسلمون من التغلب والقضاء على جحافل جيوش المغول الجبارين في معركة (شقحب) في الثاني من شهر رمضان المبارك من العام (702هـ) أي قبل أكثر من 730 عاماً، فهل سنشهد نهاية نظام الطاغية البعثي (حفيد هولاكو) بشار الأسد الذي أهرق دماء شعبه، ونهاية زمرته الدموية من (أحفاد المغول) في شهر رمضان المقبل علينا من العام (1433هـ)؟