أطرف سؤال صادفته بالأمس على موقع تويتر، بعد ظهور نتائج التحقيق في حادثة بلجرشي هو التالي: كثيرون جدا يدافعون عن دورية الهيئة وعن دورها في الحدث حتى قبل أن تتم نتائج التحقيق، وكثيرون استمروا في ذلك الدفاع حتى بعد صدور النتائج والإدانة، إلا أنه لم يدافع أحد عن دورية الشرطة أو يلتمس لها عذرا، لماذا؟ لسبب يسير أن الشرطة والأمن وغيرهما من الجهات ذات الاحتكاك الميداني اليومي بحياة الناس ليست جهات خلافية، بمعنى أن تحديد معايير الصواب والخطأ لديها ليس أمرا مختلفا فيه لدى الناس، بخلاف ما يحدث من بعض رجال الهيئة.
إن رجل الدوريات يوقفك مثلا إذا قمت بقطع الإشارة، وهذا خطأ واضح لا مجال فيه للاجتهاد ولا للحريات الشخصية ولا يقع في منطقة ضبابية لا يمكن فيها التفريق بين ما هو موقف شخصي وبين ما هو خطأ ومخالفة لقانون. إضافة إلى أن رجل الأمن حين يوقفك لأمر ما فإنك تدرك أن لا مجال لديه للاجتهاد، بل هذا قانون والنظام واضح ومحدد الملامح، بخلاف ما يحدث من بعض دوريات الهيئة. أما في حادثة بالجرشي فقد كانت القضية ابتداء من صناعة دورية الهيئة.
أول وأهم موقف صدر عن القضية هو ما جاء على لسان معالي الرئيس الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ الذي أكد أن الهيئة لن تتدخل في التحقيقات، بل ستتم بكل حياد ومن قبل الجهات المختصة، وعلى صدر صحيفة الوطن قال معاليه: إن رفع الراديو ليس مبررا للإيقاف ناهيك عن كونه مبررا للمطاردة.
مثل هذا التصريح، يحق لنا أن نتعامل معه على أن في الهيئة الآن منطقا مسؤولا يسعى للتفريق بين ما هو مخالفة وبين ما هو حرية شخصية، خاصة أن مثل هذا التصرف حدث في مكان مفتوح وحتى لو كان يمثل إزعاجا فهو نوع من سوء السلوك العام. الذي يمكن أن تتم معالجته أو أن يترك وتحديدا إذا كانت السيارة متحركة فهي لن تلبث أن تبتعد ويختفي معها الصوت.
بكل وضوح، لا بد من القول: إن البعض من رجال الهيئة يتحركون من واقع قناعاتهم وأفكارهم هم، لا من واقع محدد واضح لما يعد مخالفة، وبالتالي فهو يتصرف على أنه يتحمل المسؤولية عن استقامة أخلاق الشارع من وجهة نظره هو لا من وجهة نظر الشارع. هذا واقع لا يمكن أن يحل إلا من خلال نظام واضح ومحدد يعرفه ويلتزم به الجميع وعلى رأسهم رجال الهيئة الميدانيون.
لا بد أيضا من الاعتراف أن العمل الميداني للهيئة في المدن الكبرى كالرياض وجدة أصبح أكثر انضباطا والتزاما منه في بعض المناطق، خاصة تلك التي لم تحظ بتغييرات مهمة في المراكز القيادية، فالهيئات الآن بحاجة إلى قيادات تستوعب تغير الناس وتغير المجتمع وإيمانه بحرياته وحقوقه، وتقدم الهيئة على أنه جهاز خدمي وضع من أجل الناس ولخدمتهم وليس لحمايتهم من أنفسهم، وأدركوا أن حالة من التوتر القائمة بين الناس وبين الهيئة تسببت بها بعض الحوادث التي ـ ومع إيماننا أنها لا تعكس واقع كل رجال الهيئة ـ إلا أن آثارها السلبية تكون مدوية للغاية.
وإذا كانت بوادر هذا الوعي ظاهرة الآن في خطابات الرئاسة العامة للهيئة، فإن هناك حاجة إلى تعميمها لتكون بداية عصر جديد في بنية الجهاز وأفكاره ورؤيته وعلاقته بالناس.
بات الآن لدى الشارع وعي أكثر دقة وأكثر قدرة على الدفاع عما يراه من حقوقه، لذا يصبح ما أقوم به خطأ إذا كان يمثل أذية للغير أو انتهاكا لقانون، وليس ما يخالف رأيا فقهيا خلافيا يؤمن به هذا العضو أو ذاك، خاصة وأن محاولة حماية الفرد من ذاته ومنعه من الخطأ الخاص – إذا صح التعبير – هو تدخل في قيمة الفرد وفي أهليته مع ذاته.
إن أغرب ما يحدث الآن هو ذلك الدفاع السطحي المندفع عن الهيئة، والذي يمثل بالفعل إساءة حقيقية لها، وما يجب أن تكون عليه صورتها في المجتمع. فالهيئة جهاز خدمي، تأخذ هيبتها من التزامها بالأنظمة، وتأخذ قوتها من رضا الشارع عنها. أما الذين يخلطون بين الهيئة كجهاز وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كشعيرة فإنهم يقعون في خلط يتسبب في اندفاعهم غير المتزن.
إننا أمام جهاز حكومي، يكتسب نجاحه من حجم رضا الناس، ولا مبالغة في القول إن حالة من الرضا تستقبل الآن مختلف ما يصدر عن الرئاسة العامة للهيئة، لكن التحدي أن يشمل ذلك الرضا ما يصدر عن العاملين في الميدان.