مهنة الطب كغيرها من المهن، لها أصول ومعايير، وإن فقد الطبيب هويته المهنية فسيقتل عدداً لا يستهان به من الناس، وقد قيل في الماضي : "الطبيب الجاهل جلاّد حاذق"، والمقصود بقتل الناس هنا، هو ما يعرف بالأخطاء الطبية التي تتمثل في عدم مراعاة الأصول والقواعد العلمية المتعارف عليها في علم الطب.

تؤكد بعض الدراسات على "أن خمسة ملايين شخص ماتوا بسبب الأخطاء الطبية خلال العقد الماضي في كل من أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزلندا"، وفي المملكة لا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد الوفيات بسبب الأخطاء الطبية ويقول بعض المسؤولين في وزارة الصحة إنها لا تعتبر ظاهرة، والبعض يخلط بين الخطأ والمضاعفات الطبية التي قد تحدث بسبب تفاعلات الأدوية والآثار الجانية لها، وهذا ما يفسر كثرة الشكاوى من قبل المواطنين.

ومع احترامي لوجهة نظر المسؤولين في الوزارة، علينا في البداية أن نعترف بأن لدينا مشكلة اسمها "أخطاء طبية" وحتى لو كانت نسبة الضحايا ضئيلة، فقد أصبح الخطأ الطبي هاجسا لكثير من المواطنين.

صحيح أن الناس قد تخلط بين الأخطاء والمضاعفات، ولكن يجب ألا ننسى أن لدينا مشكلة لا أعتقد أن الوزارة تستطيع إنكارها، وهي ما ذكرته في بداية المقال والتي تتمثل في ضعف الثقافة المهنية والرقابة عليها في المجال الطبي، وهذه المشكلة في رأيي تعد من أهم الأسباب الرئيسة لوجود الأخطاء الطبية، وللأسف هناك من يحاول التعتيم على هذه المشكلة، وقد يكون السبب أنها تتعلق بالمنظومة الصحية بكاملها، لذا قبل أن نحاسب الأطباء على أي تقصير، يجب أن نقيم بيئة العمل في المستشفيات ومعرفة مدى تطبيق المعايير المهنية فيها.

فالمعايير المهنية في الطب تمثل الإطار القانوني لمساءلة الطبيب عند اقترافه لأي خطأ طبي، كما أنها تتضمن كثيرا من الإجراءات التي تهدف في الأساس إلى التقليل من المخاطر الطبية، وليس هذا فحسب، بل تعد إحدى الوسائل المهمة في الحكم على جودة الخدمات الصحية المقدمة إلى الناس.

وعند وجود أي خلل في تطبيق هذه المعايير والإشراف على تطبيقها، فإن ذلك قد يؤدي إلى وجود أخطاء طبية، تكون نتيجتها موت المريض، وفيما يلي أطرح بعض الأمثلة والحالات الافتراضية، بهدف توضيح أهمية المعايير وعلاقتها ببيئة العمل ككل، وذلك على النحو التالي:

• كثير من القرارات الطبية مثل قرار (بتر وقطع الأعضاء) لأسباب صحية، تتطلب المعايير تشكيل لجان بهذا الخصوص، يكون أعضاؤها من تخصصات معينة بالإضافة إلى وجود استشاريين واختصاصيين، وتتضمن المعايير الإجراءات اللازمة للفحص وبالتالي اتخاذ القرار الطبي، وعند قيام الطبيب المعالج باتخاذ قرار فردي، فإنه بذلك قد اقترف خطأ طبيا يجعله تحت طائلة المساءلة القانونية.

• عند استخدام أجهزة طبية أو عند صرف الأدوية للمريض، تتطلب المعايير من كل قسم مختص أن يتأكد من جودة استخدام الأجهزة وكذلك الأدوية، وفي حال وجود أي إشكالية يجب الإبلاغ عنها فوراً لاتخاذ اللازم لأن بعض الأجهزة ومكوناتها قد تسبب مشاكل صحية للمريض إذا كانت متدنية الجودة.

• تتطلب المعايير الطبية أن يتم التأكد من الملف الطبي للمريض، وتحديد ما إذا كان يوجد تعارض بين الأدوية الموصوفة له وحالته أم لا، ، لذلك من الضروري التأكد بشكل دقيق من عدم وجود تعارض بين حالة المريض والدواء الموصوف له، من قبل الطبيب وكذلك الصيدلي، لذا يجب التأكد من تطبيق هذا المعيار عند حدوث مضاعفات للمريض نتيجة لتعارض الدواء مع حالته، لمساءلة المتسبب في ذلك.

بالإضافة إلى ما سبق هناك معايير تتعلق بأقسام المختبر والأشعة والتمريض والطوارئ والخدمات الأخرى المساندة (التغذية، الصيانة والنظافة، التعامل مع النفايات الطبية)، وهناك معايير تتعلق بأدق التفاصيل مثل كتابة الوصفة الطبية (الروشتة)، وتحويل مريض من طبيب إلى آخر أو من مستشفى إلى مستشفى آخر، وهناك معايير أيضاً تتعلق بكتابة التقارير الطبية وكذلك الملفات والسجلات الطبية.

هذا باختصار عن أهمية المعايير المهنية وعلاقتها بالأخطاء الطبية والمساءلة القانونية لها، ولكن قد يعترض معترض ويقول: " كيف تريد منّا تطبيق هذه المعايير في ظل وجود نقص في الأطباء والصيادلة والفنيين، وقلة الدورات التدريبية، مع وجود ضغط شديد وإرهاق للعاملين في المستشفيات، ناهيك عن ضعف شركات الصيانة والنظافة و....و....؟".

أعلم أن هذه المشاكل موجودة ولها تأثير سلبي في تطبيق المعايير، ولا أحد ينكر جهود وزارة الصحة في التقليل من هذه المشاكل، ولكن أيضاً لا ننسى أنه رغم وجود هذه المعوقات فهناك من الأطباء والممرضين والفنيين من يبذلون العناية المهنية اللازمة في أداء مهامهم مهما كانت الظروف، لذا فإن المشكلة هي في ضعف الثقافة المهنية، والدليل عل ذلك حرص العديد من الأطباء والفنيين على العمل الإداري أكثر من الممارسة الفنية، ويوجد صراع بينهم على المناصب الإدارية، كما يتعامل البعض مع المهنة على أنها مجرد وظيفة روتينية لا أكثر، بالإضافة إلى ضعف الإشراف على تطبيق المعايير وعدم وجود مساءلة قانونية لها.

للأسف الشديد، عندما نتحدث عن المعايير والقواعد المهنية، يقول البعض بأن هذا الكلام (تنظيري) ولا يمت إلى الواقع بصلة، وهناك من يقول " سددوا وقاربوا"!، وأقول لهؤلاء: هل حياة الناس رخيصة؟، وديننا الحنيف يطلب منا تحقيق العدالة وإتقان العمل..فكيف إذن يتم تحقيق هذا المطلب الشرعي؟ أليس عن طريق اتباع المعايير المهنية؟.

وخلاصة القول: نحن بحاجة ماسة إلى إصدار قانون المسؤولية الطبية والذي يعتمد على تطبيق المعايير المهنية، ليتم تقييم عمل الأطباء وجميع العاملين في المجال الطبي وتحديد الأخطاء الطبية على أساسه.