المصرفية الإسلامية بمفهومها المعاصر ماتزال في مقتبل العمر مقارنة بالمصرفية التقليدية التي تأصلت جذورها منذ مئات الأعوام حتى وصلت إلى ماوصلت إليه من تطور من حيث الهياكل والنظم والخدمات والآليات، وأحسب أن المصرفية الإسلامية في ثوبها المعاصر قد استفادت ولاتزال من التطور الذي وصلت إليه المصرفية التقليدية، حيث إنها وإن كانت في بداياتها حاولت أن تبدأ مستقلة عنها، إلا أنها لم تبدأ بشكل مؤسساتي متكامل إلا من خلال منظومات تعمل وفقا لآلياتها.
في نظري المتواضع أن السبب الرئيس في قيام وانتشار المصرفية الإسلامية يعود إلى رغبة العميل في البحث عن البديل الحلال، وليس لأن هذه البنوك تقدم خدمة أفضل من البنوك التقليدية أو تطرح منتجات مختلفة في فلسفتها وطبيعتها عن البنوك التقليدية، فالمصارف الإسلامية لاتزال مثلها مثل المصارف التقليدية يدور عملها حول محور الإقراض والفائدة ولكن بمصطلحات فقهية بدلا من المصطلحات التقليدية السائدة، إنها حتى الآن مقصورة على أسلمة الأدوات والآليات لا أسلمة الفلسفة والمقصد وشتان بين الاثنين.
المصرفية الإسلامية تتعامل بهامش ربح في مقابل أن المصرفية التقليدية تتعامل بنسبة فائدة، المصرفية الإسلامية تقرضك بمفهوم المرابحة أو التورق (وإن كان هنالك تراجع عن التورق) بينما المصرفية التقليدية تقرضك قرضا مباشرا، المصرفية الإسلامية تشترك مع المصرفية التقليدية في آلية هامش الربح حيث إنها مؤسسة على معدل السيبور أو الليبور مضافا إليه هامش محدد بنسبة مئوية معينة. وفضلا عن هذا التشابه في الآليات فإن المصارف الإسلامية تحسب هامش الربح على أساس المبلغ الأساس للقرض دون إنقاص منه على مدى السداد بينما المصارف التقليدية تحسب الفائدة على أساس متناقص خلال مدة التمويل، وفضلا عن ذلك فإن المجرب أن هامش الربح للمصارف الإسلامية أعلى من معدل الفائدة للمصارف التقليدية.
لا أريد أن أكون متحاملا على المصارف الإسلامية ولا على المصرفية الإسلامية، فأنا من المتحمسين لها ولكنني أدعو لأن نكون صريحين مع أنفسنا حين نتعامل مع عالم المصرفية الإسلامية لأن ما تمت أسلمته حتى الآن لا يعدو أن يكون جزءا صغيرا من المنظومة، وفي نظري أن عذر المصارف الاسلامية الوحيد الذي يبرر لها ما تقوم به الآن، هو أنه لا يمكن الوصول لمنظومة مصرفية إسلامية حقيقية دون النظر في جزئيتين مهمتين لهذه المصارف حتى تتمكن من الوصول لمصرفية إسلامية حقيقية وهما جزئيتي 1) البيئة التنظيمية للعمل المصرفي الإسلامي على المستويين الدولي والمحلي و2) تغير الفلسفة التي تقوم عليها هذه المصارف من تأسيس العمل على "ضمان" الربحية من خلال تثبيت العائد إلى تأسيس العمل على "احتمال" الربحية من خلال المشاركة الحقيقية في المشاريع الصغيرة والناشئة مع احتمال الربح والخسارة.
لن أتعرض للنقطة الثانية في هذا المقال فهي مسألة تحتاج إلى الكثير من التأصيل والتأطير بما يتجاوز بمراحل المساحة المحددة له، ويتطلب عددا من المقالات المتصلة ببعضها بعضا للإحاطة به والخروج من إطاره الفلسفي والتنظيري إلى حيز التطبيق، ولكن ريثما يتاح لي أن أفعل ذلك أود أن أقول إنه يمكن الاستفادة في هذا الباب من تجربة كيانات المايكروفاينانس من حيث فلسفة التمويل ومفهوم الربحية.
سأقصر حديثي في هذا المقال على البيئة التنظيمية للمصرفية الإسلامية التي نفتقر إليها على المستويين المحلي والدولي، فعلى المستوى الدولي مازلنا نفتقر إلى الأدوات القانونية من معاهدات واتفاقيات بين الدول أو بين الكيانات الخاصة في هذه الدول التي تنظم عمل المصرفية الإسلامية وتضع القواعد والأطر اللازمة له بما يساعد المصارف الإسلامية على أن تتخذ خطوات مناسبة وملائمة لتطوير العمل المصرفي الإسلامي والخروج به من دائرة إعادة الصياغة للمنتجات المصرفية التقليدية إلى عالم الابتكار بما يحقق أغراض العمل المصرفي الإسلامي، فنحن حتى الآن مازلنا نعاني من التباين الكبير في الآراء بين المدارس المصرفية المختلفة التي تمثل فيها ماليزيا والمملكة (على سبيل المثال) طرفي نقيض في بعض الأحيان.
أما على المستوى المحلي فمصارفنا مازالت تتعامل مع المنتجات البنكية الإسلامية من خلال ذات المنظومة النظامية التي تحكم المصارف التقليدية، وبالتالي فإنه لا مناص لهذه المصارف من التعامل مع المنتجات المصرفية بما يمليه عليها النظام الذي تعمل من خلالها المصارف الأخرى، فلا يمكن لها مثلا إلا أن تعمل من خلال معدل الفائدة النظامي الذي تقرره مؤسسة النقد، كما أن غياب الإطار التنظيمي للجان الرقابية الشرعية في المصارف الإسلامية يجعل عمل هذه اللجان محل تساؤل ويهز من صورتها وشرعية فتاواها إلا إن ألزم المصرف نفسه بشيء من الشفافية في هذا الباب، فعند النظر في بعض هذه اللجان ستجد أن هنالك أسماء معينة تتكرر في عدد منها، كما أنه ليس هنالك آلية للإفصاح والشفافية عن تعارض المصالح بين أعضاء اللجنة الشرعية وبين ما يفتون بشأنه مثل احتمالية امتلاك بعضهم لحصص في تلك المصارف أو حصولهم على الأجر بالنسبة المئوية من ربحية المصرف من المنتجات الاسلامية التي يتم التعامل من خلالها، كما أن اللجان الشرعية لا يتوفر لها ما يحميها من احتمال سيطرة إدارة المصرف عليها في حال تعارض فتاواها مع توجهات المصرف.
إنني أدعو مؤسسة النقد بحكم إشرافها على القطاع المصرفي في المملكة إلى أن تبادر باقتراح البيئة التنظيمية الملائمة لعمل المصارف الإسلامية بحيث ينتقل بالقطاع نقلة نوعية تناسب المكانة الدينية والاقتصادية للمملكة العربية السعودية.
تغريدة: المصرفية الإسلامية قد تكون متوافقة مع بعض الصور والآليات الفقهية المعروفة ولكنها ليست بالضرورة متوافقة مع الإطار العام للشريعة الإسلامية.