ولكن ما هي الأدوات غير العسكرية على سبيل المثال؟ هي " الهجمات السيبرانية، والأدوات التقنية، واستخدام المعلومات السرية، وغيرها" . ففي حروب الجيل الخامس أو الحروب غير التقليدية -كمرادف لها- تستخدم بدلا من الأسلحة الفتاكة، معلومات سرية وسيبرانية وتقنية، يتم فيها استهداف البنية التحتية للدول، من بنوك ومستشفيات وأنظمة كهرباء، بل حتى مواقع حكومية موثوقة، ونشر المعلومات المضللة عبر مواقع التواصل، والتلاعب بالهوية والثقافة، لخلق انقسامات داخلية بين فئات الشعب الواحد. وهذه الحروب أسوأ - من وجهة نظري- من الحروب التقليدية! لأن العدو في الحروب التقليدية واضح، وأهدافه واضحة إلى حدٍ ما، ولكن في الحروب غير التقليدية العدو غير مرئي.
فعندما يشن العدو هجمة سيبرانية على دولة أخرى ويخترق نظامها، فإن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى قتل المدنيين والعسكريين، بل نشر الذعر والخوف من المجتمع نفسه، ومن المؤسسات والشركات، ما قد يصعد هذا الأمر إلى فوضى!
مساوئ حروب الجيل الخامس أسوأ من الحروب التقليدية، ففي الحروب التقليدية قد تتصدى الدول والجهات العسكرية للضربات، وتردها بضربات أعنف وأقوى من صواريخ باليستية وطائرات وغيرها، ولكن في حروب الجيل الخامس أنت تجهل هوية عدوك، هل هو دولة؟ منظمة إرهابية؟ أم فرد؟ كل هذه التساؤلات تصعب الإجابة عنها عندما يتعلق الأمر بالهجمات السيبرانية، فهذا يعني أننا في صدد التعامل مع كيان ملم بالتقنية، واستطاع اختراق البنية التحتية لدولة كاملة!
ففي الحروب التقليدية الرصاصة قد تقتل شخصًا، ولكن بحروب الجيل الخامس فإن المعلومات المضللة قد تغير وعي شعب كامل، وتصنع منه جنودا متأهبين للهجوم في أي لحظة، إذ إن السيطرة على الإدراك والعقل أخطر من السيطرة على الأراضي. كما أن حروب الجيل الخامس تدميرها يكون من الداخل، من حيث إثارتها الفتن، وإفقاد الثقة بالمؤسسات، ونشر الصراعات المجتمعية، وغيرها من المساوئ التي يصعب حصرها.
وإن أردنا الاستشهاد بمثال حي، فإن الأزمة الأوكرانية تعد خير مثال على طبيعة حروب الجيل الخامس.
ففي عام 2014، تمكنت روسيا من السيطرة على شبه جزيرة القرم عبر أسلوب هجيني، إذ مزج ودمج بين التدخل العسكري غير المباشر والدعاية الإعلامية والهجمات السيبرانية التي عطلت مؤسسات أوكرانيا الحيوية، حيث لم يكن الأمر مجرد معركة على الأرض، بل معركة على العقول والوعي الجمعي.
ولأن روسيا نجحت في خلق روايات متضاربة، أربكت المجتمع الدولي وأضعفت الجبهات الداخلية الأوكرانية، ونشرت الذعر بينهم، وتحولت هذه الحرب، أو التي كانت بالأحرى تمهيدًا للحرب التقليدية في عام 2022.
لذا، فإنه في عالم تحكمه التكنولوجيا والمعلومات، تصبح المعرفة أقوى من السلاح، والمعلومة أخطر من الرصاصة، حيث إن مواجهة هذه الحروب تتطلب بناء وعي شعبي، وتعزيز الأمن السيبراني، ونشر الثقافة الإعلامية التي تجعل الشعوب أكثر مناعة أمام التضليل، لأن الدفاع الحقيقي في هذه الحرب يبدأ من وعي الفرد قبل قوة الدولة.