من المآسي الإنسانية التي تسببت بها الحروب الأيديولوجية بين البشر، ما تذكره موسوعة "قصة الحضارة" من إبادة حوالي 7 ملايين إنسان بين عامي 1618 و1648 خلال حروب بين الطائفتين المسيحيتين "البروتستانت" و"الكاثوليك"، وذلك في نزاع سياسي غلف بإطار ديني لكي يجمع أكبر عدد من المناصرين من الطرفين. ومع ذلك لم يقض أي منهما على الآخر، فكل ما فعلته هذه الحروب أنها أججت الأحقاد في النفوس وكانت فرس الرهان للسياسيين والعسكريين الذين نهبوا وغنموا كل ما وقع تحت أيديهم حتى أصبحت الأراضي جرداء لا تسقيها إلا الدماء. تذكرت هذه المأساة وأنا أسمع أحد خطباء الجمعة يحذر من الفتن التي لا تفرز سوى الدماء والدمار، حيث استشهد بالحديث الذي رواه شداد بن أوس ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا وقع السيف في أمتي لم يرفع إلى يوم القيامة). وهو تحذير واضح من سيد الخلق من الاستخفاف بالدماء التي لا تجر سوى مزيد منها. وفي ظل الأوضاع الراهنة التي يزيد فيها الاحتقان المذهبي داخل الإطار الإسلامي والعربي على وجه الخصوص، لا بد من وقفة صادقة من علماء الدين في جميع دول العالم الإسلامي ومن جميع الطوائف، لتبيان خطر التجييش المذهبي في تمزيق الأمة أكثر مما هي ممزقة. وأن نهايته خسارة الجميع ولن يربح فيه إلا أعداء الأمة الإسلامية جمعاء الذين لا يفرقون بين "سني" و"شيعي" و"أباضي" ولا غيرهم، فكل هذه المذاهب في نظرهم إسلام واحد يجب إزاحته بكل الطرق، فما بالك إن كانت الطرق سالكة لذلك وبأيدي أهله، فلا يخسر فيها العدو فردا واحدا، ولكن كل ما عليه هو إشعال النار وتشجيع الطرفين على الاقتتال وسطها.
إن علماء الدين والسياسيين أمام مسؤولية دينية وأخلاقية تنبع من التوجيه الرباني العظيم الذي بلغه القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة في حرمة الدماء واتقاء الفتن بكل الوسائل. وليعتبروا بما آلت إليه حروب "البروتستانت" و"الكاثوليك" والنهاية التي أدركوها بعد أن قضوا على ملايين البشر خدمة لأهواء السياسيين والإقطاعيين فقط.