عندما انتخب محمد مرسي رئيسا لجمهورية مصر العربية تحركت تروس الآلة الإعلامية تفتح سيرته الذاتية: أين تعلم؟ وماذا تعلم؟ وما تجاربه العملية؟ ما مواقفه وميولاته؟ وفي حمأة البحث والتنقيب عن هذا القادم الجديد وجد مستشفى المانع في الأحساء نفسه في دائرة الضوء محليا وعربيا وحتى دوليا لمجرد أن أحد أطباء هذا المستشفى هو ابن الرئيس المصري الجديد، وهكذا تقاذفت الصحف خبر اكتشافها لمكان وجود الدكتور أحمد ابن الرئيس محمد مرسي.
وقبل هذا الحدث، أي بعد خلع الرئيس السابق حسني مبارك تم مباشرة تعيين الدكتور عصام شرف رئيسا مؤقتا للوزراء، وعلمنا على الفور أن الدكتور شرف قد أمضى قسطا من عمره أستاذا في جامعة الملك سعود، وله عدد من الصداقات المستمرة مع إخوانه السعوديين، بل إنه وخلال زيارته الرسمية للمملكة زار مقر عمله السابق والتقى زملاءه وأصدقاءه في جامعة الملك سعود.
وقبل ذلك كله بسنوات عديدة تحول العضو المنتدب للبنك السعودي الأميركي الباكستاني شوكت عزيز ليصبح رئيسا للوزراء في باكستان.
وبالعودة إلى أحد الأيام في عام 1989 فوجئنا هنا وفي غير مكان بحدوث انقلاب عسكري في الخرطوم على الحكومة المنتخبة فيما عرف لاحقا بثورة الإنقاذ التي جاءت بالفريق عمر البشير ليصبح رئيسا للسودان، وبالمناسبة فقد كنت في ذلك الحين نائبا لرئيس تحرير مجلة اليمامة ويعمل معنا عدد من المحررين من الجالية السودانية الشقيقة، ولهذا لم يطل سؤالنا عن هذا الانقلاب ومن وراءه؟ ومن رتب له؟ ومن يعرف هذا الرئيس الجديد؟ فالسودانيون معجونة أحاديثهم اليومية بهموم السياسة وأطيافها المختلفة. وقد علمنا في حينها أن أخا عمر البشير يعمل طبيبا في أحد مستشفيات المنطقة الشرقية (لاحظ المصادفة الغريبة أن يكون أخو البشير وابن محمد مرسي يعملان كطبيبين في المنطقة الشرقية من المملكة)، وقد تكفل أحد المحررين السودانيين بالسفر إلى سيهات حيث يقيم ويعمل الدكتور عبدالله البشير، واستعار من ألبومه الشخصي عدة صور مشتركة له مع الرئيس الجديد وانفردنا بنشرها في المجلة، كما تيسرت لي المغادرة للخرطوم ومحاورة الرئيس عمر البشير.
رفيق الحريري أيضا تحول من كونه صاحب شركة مقاولات في المملكة إلى رئيس لوزراء لبنان. والمجال لا يتسع لذكر أمثلة أخرى لعدد من الذين درسوا أو عملوا في المملكة ثم عادوا إلى أوطانهم ليتسنموا أعلى المواقع في رئاسة الحكومة أو الوزارة أو في مجال إدارة الأعمال، ولكون المملكة منطقة جاذبة للأيدي العاملة والخبرات العلمية، ولكونها بيئة عمل خصبة فإن الكثيرين يتطلعون للحصول على الفرصة التي تخول لهم المجيء إلى هذه المحجة الدينية والدنيوية بشكل جعل المملكة المصنع والورشة والجامعة التي يتخرج منها القادة والوزراء ورؤساء الحكومات، كما يتخرج منها الآلاف من الأيدي العاملة التي تتدرب على أحدث التقنيات والأجهزة الطبية والعلمية ثم تعود إلى بلادها بعد انقضاء عقودها. بالمقابل فإن المملكة كانت الملاذ والملجأ لكثير من القادة والحكام الذين كانت المملكة تستضيفهم حقنا للدماء أو وأدا للفتنة في تلك الأقطار. وقد فعلت ذلك للمثال مع عائلة حميد الدين في اليمن، والرئيس العراقي عبدالرحمن عارف، والرئيس الأوغندي عيدي أمين، ورؤساء ووزراء من سورية والعراق ولبنان وتونس وغيرها، كما استضافت كوادر كبيرة من الإخوان المسلمين عندما كان يجري اضطهادهم والتضييق عليهم في مصر وسورية وتونس، لكن المملكة لم تكن لتسمح على الإطلاق باعتبار لجوء هؤلاء ورقة تبتز بها دولهم.
الخلاصة أن هذه البلاد المباركة قد أنعم الله عليها بالخيرات فأنعمت على غيرها وجعلت أرضها مهوى لأفئدة الناس ينعمون ويأمنون، فمنهم من يؤثر البقاء، ومنهم من يؤثر العودة بعد تحسن أحواله.. منهم من تومض له بارقة الحظ فيعود زعيما أو رئيسا أو وزيرا.
"رب اجعل هذا البلد آمنا وأرزق أهله من الثمرات".