لم يمض على قدومي ساعة واحدة حتى أبلغني ابني بأن طبق البيض فاسد ولا يصلح للأكل، وقد اكتشف ذلك عندما قام بكسر ثلاثٍ من تلك البيضات النائمة في خنادقها الكرتونية الصغيرة من أجل قليها، سألته عن ماذا فعل ببقية البيضات فأجابني بأنه قد تركها في مكانها بانتظار مشورتي، فأخبرته بأنني سأتكفل بالأمر لاحقاً، قلت في نفسي: ماذا سأفعل بهنّ؟ إن المكان الذي اشتريت منه طبق البيض بعيد جداً عن بيتي، وأنا في غاية الإرهاق هذا اليوم، ولا أستطيع الرجوع إليه من أجل التبديل أو التعويض، ودرجة الحرارة المرتفعة ستمنعني أيضاً من فعل ذلك مهما استجمعتُ قواي، ثم إن قيمة الطبق ليست باهظة للحد الذي يُجبرني على إعادته وطلب استرداد نقودي، وقد ينظر صاحب المحل إلى فعلتي بنوع من السخرية ويعتبرني شخصاً بخيلاً، حسناً لن أعيده وسأتخلص منه بعد قليل.
جلستُ على أريكتي أشاهد التلفاز وقد كانت إحدى المحطات الفضائية تعرض برنامجاً عن الذكاء الاصطناعي، هالني ما رأيت وأثار فضولي ما سمعت، أحسستُ أن الدنيا تغرق شيئاً فشيئاً في بحر الخوارزميات والكميات الهائلة من البيانات، ضغطتُ على أيقونة برنامج الذكاء الاصطناعي الذي يولّد حواراً عالي الكفاءة من الدردشة والردود الموجود في هاتفي، حينها خطر ببالي طبق البيض والطريقة المثلى للتخلص منه، سألت البرنامج وقلت له: اشتريتُ اليوم طبقاً من البيض يحتوي ثلاثين بيضة، وقد بقي منها سبع وعشرون فقط، اكتشفتُ أن البيضات فاسدة ولا تصلح للاستهلاك البشري، وأريد إتلافهنّ بالطريقة التي تقترحها، وأتمنى أن تُعطيني فكرةً خارج الصندوق. لم يتأخر الرد كثيراً وبدأت بالقراءة.
الذكاء الاصطناعي: قد يحدث أن يشتري الإنسان بيضاً ويكتشف لاحقاً أن البيض نتن في مظهره أو رائحته أو نكهته، ويمكن أن يؤدي تناوله إلى مشاكل صحية خطيرة، تستطيع التخلص منه بطريقة لطيفة ستصنع لك ذكريات جميلة وأحاديث تتداولها مع عائلتك وأصدقائك، ربما تصعد ومعك البيضات الفاسدات إلى سطح منزلك قبل الغروب بقليل، ثم تقسم عدد البيضات على عدد بيوت جيرانك القريبين منك، بعدها تقوم برمي كل مجموعة من البيض داخل سور أحد جيرانك دون أن يشاهدوك، وقد تطلب من أحدهم أن يلتقط لك بعض الصور أو الفيديوهات لتوثيق تلك المغامرة اللطيفة.
فكرتُ مليّاً ثم عقدت النية على تنفيذ ذلك الاقتراح بثبات وتصميم، وبعد ثلاث ساعات صعدتُ وحدي إلى سطح بيتي وبرفقتي طبق البيض الذي ينتظر مصيره المجهول، تلفّتُ حولي فلم أرى من يراقبني في تلك اللحظة الغريبة، ثم بدأتُ برمي البيضات بطريقة عادلة من الجهات الثلاث مستثنياً الشارع الموجود أمام بيتي، أحسستُ أن يدي قد تحوّلت إلى منجنيقٍ يدكّ أسوار القلاع المحصنة بالقرب مني، تعمّدتُ أن تسقط قذائفي البيضاء في الحدائقِ وليس على أسطح المنازل حتى تتلاشى الآثار وتختفي الأخبار، بقيت معي بيضة واحدة هممت برميها لكنني سمعت صوتاً فأعلنت الهدنة مع نفسي، رأيت ابني يقف متسمراً مشدوهاً ومستغرباً ينظر تارة إلى وجهي ثم ينظر إلى البيضة الأخيرة في يدي تارة أخرى، سادت بيننا لحظات من الصمت المطبق.
ابني: ماذا تفعل يا أبي؟ أنا لا أفهم شيئاً.
قلت له: قد يصعب عليّ شرح ذلك، ولا أدري إن كنت ستتفهمني، لكنني قد كنت أنفذ نصيحة الذكاء الاصطناعي...