حسب بعض المتخصصين في علم الأعصاب فإن الدماغ ليس مصمما للتذكر وأن ما يحدد ما نتذكره وننساه يتعلق في المقام الأول بالانتباه، وكذلك الوسائل المساعدة لمحفزات الدماغ والذاكرة تحدد ما نريد تذكره كالتنبيهات والرسائل التذكيرية، ويرى أحد الفلاسفة (هنري برجسون) حين ناقش العلاقة بين الذاكرة والإدراك الحسي أن وظيفة المخ والجهاز العصبي والحواس (استبعادية) تستبعد المعلومات غير المهمة، وليست للتجميع وإضافة المزيد الذي لا يفيدنا، وكذلك في حقل (المعرفة) وحتى الأبحاث الحديثة تؤكد أن كثرة نسيان التفاصيل الصغيرة يعد مؤشرًا على الذكاء والعبقرية، ودليل على أنك شخص قابل للتعلم بشكل أسرع، وهذا ما لاحظته على أصحاب الذاكرة القوية فوق المعتاد ممن يشغلون أنفسهم بالتفاصيل المملة حيث إنها منعتهم من الإنتاج والإبداع الفكري رغم أن فيهم من يحفظون كذلك الكثير من الأشعار والاقتباسات ويرددون أقوال الفلاسفة والمفكرين، ولكنهم يعجزون عن أن يكون لهم إنتاجهم الخاص بسبب ذاكرتهم، وقد سألت أحدهم بالفعل: لماذا ليس لك إنتاج معرفي وأنت تحفظ الكثير من النصوص فرد قائلًا بما نصه بالعامية: (فاضي أنت، تبيني أفكر وأشغل نفسي.. إلا ريح رأسك وعش حياتك)!!
وبمناسبة الحديث عن العلاقة بين ضعف الذاكرة والإبداع فقد ذكر المنفلوطي رحمه اللّٰه في مقدمة كتابه (النظرات) أنه كثيرًا ما يُسأل عن جمال أسلوبه وتفرده بعدم تقليد غيره وعن غزارة إنتاجه فيرد: بأن مرد ذلك بسبب ضعف ذاكرته حيث إنه يقرأ الكثير من المقروءات ثم ما يلبث أن ينساه فلا يبقى في ذاكرته إلا الجميل منه، فضعف ذاكرته وصعوبة حفظه أنقذه من أن ترسخ وتستوطن نصوص الآخرين في ذهنه، ولو كانت كذلك لم يبدع، ولأصبح نسخة مكررة لغيره ومرددًا لما يقولون ويكتبون.
وبحسب الأطباء فهناك عادات من شأنها أن تُضعف الذاكرة على رأسها قلة النوم وكذلك تجنب النشاط البدنى والأطعمة المصنعة وكثرة التنقل بين المهام، ونقص التحفيز الذهني «من خلال بعض الأنشطة كالقراءة وحل الألغاز وتعلم لغة جديدة أو تعلم الكتابة باليد (عكس اليد التى تكتب بها)»، ومن مسببات ضعف الذاكرة؛ التعود على التوتر المبالغ فيه والإفراط في استخدام التقنية والأجهزة بتطبيقاتها، وكذلك العزلة السلبية، وقلة شرب الماء، وتجاهل المشاكل الصحية، أما حينما يتفاقم الوضع لحد الإصابة بالخرف (الزهايمر) فينصح بلاشك بمراجعة الطبيب ومتابعة الحالة الصحية.