لم يعد الدم السوري، مجرد سائل أحمر يراق على الأرض، بل صار سائلاً له لون وطعم ورائحة وقضيّة، سائلاً له جغرافيا وله تاريخ، بعيداً عن الإعلام، وبعيداً عن الفضائيات التي تتسابق لتصويره.
الدم السوري، منذ بدأت الانتفاضة الثورية الشعبية النبيلة، ضد قاتل الناس والحمير والقطط، بشّار الأسد، صار دماً له دم، في زمن الدم الذي ليس في دمه دم، وليس في وجهه دم.
هذا الدم الليليّ النهاريّ الذي يُراق بفعل آلة القتل البشّاريّة، هو الدم الذي يتلوه الليل آناء الليل، ويتلوه النهار أطراف النهار.
لم تكن سورية قبل هذا الدم الشعبي النازف، أكثر من دولة لها حدود ومساحة وعدد سكّان، ودرس من صفحتين مرصوص بجانب عشرات الصفحات، في مقررات الجغرافيا الدراسية، في مدارسنا العربية، لكنّه صار الآن هو الدرس وهو المعلم وهو السبّورة وهو تاريخ اليوم وهو الموضوع.
كان الدم السوريّ دماً عادياً، كتلك الدماء الموزّعة في المستشفيات العربية لإسعاف مصاب، أو لاستدراك حالة مريض بأيّ مرضٍ كان يحتاج إلى دم، لكنه صار الآن دماً زكيا، تنزفه أجساد أطفال ونساء استشهدوا في معركتهم الطويلة لانتزاع العدل والخبز والحريّة، لا يدخل المستشفيات، بل تحمله الطيور إلى جنة ربّ العباد.
مشكلة الإعلام، سواء العربي أو العالمي، أنه لم يفهم هذا الدم ويُحلّله جيداً، قبل أن يعرضه على شاشات التلفاز، مثله مثل أي دم آخر، ومشكلة الدم الشعبي السوري الحُر، أن قيمته ومكوناته أكبر من التلفازات العربية والعالمية التي تعرضه ليل نهار، بمهنيّة عالية، لكنها مهنيّة تمتهن الدم.
مفرح جداً هذا الدم السوريّ النورانيّ المختلف، ومحزن جداً هذا التهافت الإعلامي للكاميرات والصور، على دمٍ لا يشبه الدماء العاديّة، وتناوله بشكل يومي وعادي وروتيني، يقتصر على خبر وفاة كذا وكذا من المواطنين السوريين.
محزن جداً، أن يكون الدم السوريّ خبراً عاجلاً.