(1)

ربما كان الغراب أول باحث في التاريخ؛ أليس هو الذي بحث في الأرض ليري قابيل كيف يواري سوأة أخيه؟ حركة الغراب وهو ينقب التراب ربما هي بداية البحث (غراب يبحث في الأرض ليغطي سوأة غراب آخر) والمفارقة أن البحث في عرف الإنسان هو لكشف شيء كان مخبأ، أي نقيضًا لمعلمه الغراب الذي سيقول له: إن بحثك- في حقيقته- ستر لشيء وليس كشفًا، فأنا من علمك البحث.

(2)


تقول الأسطورة الإغريقية إن أبولو أرسل غرابًا ليأتي بالماء، وقد كان هذا الغراب أبيض الريش، ولما لم يستطع الغراب أن يأتي بالماء غضب أبولو عليه فجعله ملعونًا عطشانًا إلى الأبد، وحول ريشه إلى السواد. هذه الأسطورة تعيدنا إلى حكاية الغراب قبل أن يقابل قابيل: ماذا كان يفعل؟ ومن قتل الغراب الذي كان معه؟ إذا كان غراب أبولو خرج للبحث عن الماء فعوقب بالعطش فإن غراب قابيل خرج ليدفن أخاه ونجح، وهاتان المهمتان أقدم مهمتين للمعنى: الماء هو الحياة «وجعلنا من الماء كل شيء حي»، والدفن يرمز للموت. فهل كان غراب قابيل يدفن الغراب الآخر لأنه فقد المهمة الأولى (الحياة)، فأصبح معلمًا للبشر في المهمة الثانية (الدفن)؟ أم إن غراب أبولو قتل غرابًا آخر وراح يدفنه أمام قابيل، وهو سر تأخره؟ ومن الغرائب أن القرطبي يروي أن «أول من سن القبر هو الغراب». وهل العطش الذي لعن به غراب أبولو هو العطش للمعنى؛ لهذا نجد الباحث عطشانًا دائمًا؟ ربما هذا ما سيرثه قابيل من الغراب فعلًا وسيظهر جليًا على أحفاده بعد مأزق الحرب العالمية، فالعالم خرج يبحث عن ماء الحداثة والإنسانية فاصطدم بمجازر الحرب، فتعثر وضاع وعاد متأخرًا يحمل أيديولوجياته المتعفنة وبقي عطشانًا للمعنى.

(3)

تقول الأسطورة الرومانية، إن غرابين عاشا على سطح معبد في روما، وظلا يروحان ويغدوان بين السوق وسطح المعبد حتى ألفهما الناس، وفي يوم ما قرر أحد الغرابين العيش على دكان إسكافي يقلد الرائح والغادي، ويحيي العابرين بين أكناف المدينة. تعود الناس على الغرابين، وفي يوم ما جاء إسكافي (جديد) للمدينة وضاق ذرعًا بالغراب ونعيقه فقتله، وما إن شاع الخبر حتى ثارت روما وشيعت الغراب كما تشيع الناس عظماءها، ثم قبضوا على الإسكافي القاتل وعاقبوه بالصلب. هذه الحكاية معاكسة لحكاية قابيل وهابيل، لأن هابيل -الذي يمثل المعبد- هو الذي قتل، أما في حكاية الغراب فالمقتول هو الذي ترك المعبد إلى الحياة المتغيرة. ومن المعروف أن الانعكاس في المرآة يعني المخالفة فيميني هي يسار في المرآة، فهل جاءت الحكاية الرومانية لتقول إن القاتل والمقتول شخص واحد؟ وهذا يعني أنه لم يكن في الحكاية إلا غراب واحد ذهبت روحه خارج المعبد إلى المدينة وسوقها، وظل جسده في المعبد بلا روح؟ ومن ثم فهل هابيل هو قابيل قتل نفسه وروحه وبقي جسدًا ثم ظل يبحث عما ينقصه؟ عن الروح التي قتلها؟ سنلاحظ في الأسطورة أن المدينة كلها ثارت من أجل غراب، وما ذاك إلا لأن الإنسان يشيع الروح إلى قبرها، القبر الذي عرفه الإنسان من الغراب كما قال القرطبي في تفسيره. لكن في الوقت نفسه المدينة تقتل الروح، فالإسكافي المصلوب يذكر روما بمأساة صلب المسيح، وما دلالة الإسكافي القديم الذي أحب الغراب والإسكافي الجديد الذي قتل الغراب إلا علامة على أن الإنسان هو الذي يقتل نفسه، حيث لفظ الإسكافي الجديد يذكر بالعهد الجديد الذي يرمز للمسيح المحب للناس كلهم.

(4)في قلب الحرب العالمية الثانية حين تعلمت الشعوب فن التعمية والتدليس ظهر فيلم الغراب لهنري كلوزو (1943)، غراب يضع رسائل سوداء في صناديق البريد فيكشف خيانات الأزواج، وطبيبًا يجهض نساء البلدة، ومواطنين يتسترون على الفساد. الغراب هنا كاشف للسوأة بينما الناس أرادوا ستر سوأتهم. فعل الناس هنا تجل لحقيقة بحث الإنسان وهو ستر المكشوف وليس كشف المستور. أما لماذا تحول الغراب من ساتر إلى كاشف؟ فربما لأن غراب قابيل يعلم ستر سوأة الآخر، لكن حين تكون السوأة سوأة الفاسد نفسه، فإنه يكشفها.

(5)

رحلة نجوروقي بطل رواية لا تبك أيها الطفل تبدو رحلة غرابية وإنسانية في آن واحد، فقد نشأ الفتى تحت وطأة الاستعمار الإنجليزي محاصرًا بثنائية: إما التعليم في مدارس المستعمر (الإنسان الأبيض) أو السقوط في درك التخلف (الغراب الأسود)، ومع تقدم الزمن أخذت الشخصية تدرك أن هذا التعليم نفسه مشبع بقيم المستعمر، وأن المعرفة التي يسعى إليها ليست بريئة. هنا يتحول نجوروقي من باحث بالمعنى الغرابي (الكاتب) الذي يحفر في تراب الحياة، إلى باحث بالمعنى الإنساني (الباحث المنهجي). وربما كان نجوروقي صورة حديثة لأسطورة الغراب المعلم الأول، فغراب أبولو عطش إلى الماء فلم يبلغه ونجوروقي عطش إلى المعرفة فلم يجدها إلا في يد ليست يده، وغراب قابيل علم الإنسان كيف يدفن موتاه ونجوروقي تعلم كيف يدفن ذاته الأولى تحت ركام لغة مفروضة من قاتله، أما غراب المعبد الذي يمكن عده رمزًا لذاكرة المدينة فإنه يشبه نجوروقي الذي حمل ذاكرة الآخر وهو يظن أنه حامل ذاكرته.

التفاتة:

ربما لو كان للبحث أصل واحد فهو أن نخرج سوأة الحدث قبل أن تغطيه اللغة.