في عام 1904 كتبَ هرمان هسّة مقالة عنوانها (عن فن الكسل)، أراد أن يقول فيها -مما قال- أنَّ الكسل هو مقاومة ماكينة التفكير الحديثة، تلك الماكينة التي لا تترك للروح فسحةً لتتسكّع، وربما كان هسّة ينتصر للمرجئة الذين أرادوا أن يُحرروا الروح من قيدِ العمل الإلزامي في داخل دورة اقتصادية دينية ينتقيها المجتمع، ويُحرروا الوعيَ من ذروةِ الانشغالات ويجعلوه يسبح في ملكوتِ اللحظات التي تبدو للناسِ بلا فائدة. سنلاحظ أنَّ الكسلَ -هنا- تَحرَّر من أن يكون نقيض العمل، لهذا هو غير واضح تمامًا عند عُبّاد العمل الحديث، الذين سيسألون: ما معنى الكسل إن لم يكن يُعرف بترك العمل المنتج في الدورة الاقتصادية الاجتماعية؟ وهذا ما أربك كسلاء العالم الذين يشتغلون في الظاهر على لا شيء ثم يُفاجئون الناسَ بشيء يُربكهم، كألف ليلة وليلة حين لم يره المجتمع إلا عملا طالحا لكنه أربك عدادات الزمن، ومع كل هذا ظلت الليالي مسارًا خارج اللعبة الاقتصادية المباشرة، تلك التي تصنع أثرها سريعًا، ومن هنا كان العمل الذي ينتمي للكسل مفتقرًا إلى أن يكون داخل الخط الإنتاجي وخارجه في الآن نفسه، وهو عمل الــ (انترلود) ذلك الذي يقع بين حدثين، ومثاله للتقريب ما فعله شكسبير في مسرحية مكبث، بعد أن قُتِل صاحبُ العرش توقّع المتفرج أن ينتقل الحدث إلى انكشافِ الجريمة وأسبابها، إلا أنه تفاجأ أنَّ الستارةَ فُتحت على رجلٍ ثمل يتخبّط في طريقه ويفتح بابَ القلعة بهدوءٍ ثم يُلقي مونولوجًا ساخرًا عن حارسِ باب النار. هذا المشهد في المسرحية هو (انترلود)، يراه أصحاب العمل -كارهي الكسل- مشهدًا مقحمًا، بينما هو لحظة إبداعية جاءت من وحي كسل شكسبير، لأنه اعتقد أنَّ الإنسانَ ينهار من الضغط النفسي الذي يصنعه العمل المتوالي بأسبابه الاجتماعية، إذ لم يكن هذا المشهد إلا إلغاء لمفهوم السبب المباشر ومحاسبة جميع الشخصيات على المسرح، وهو بهذا المشهد يحمي البنيةَ من الانهيار تحت ضغطِ الاستمرارية، وهو في هذا يشبه ما يسمى (الاحتراق الوظيفي). ولو بحثتُ في العملية الإنتاجية عن انترلود يُحقق هذه المعادلة، فلا أظن أني سأجد أفضل من صناعة العطر نموذجًا هائلًا، فهو مسار فني أدبي وحسي عصبي في آنٍ واحد يجعله يتجاوز أنه سوق داخل العملية الإنتاجية، ليكون لحظة إبداعية ترتبط بأعصاب الفنان العطار وتنتقل إلى من يشاركه هذه اللحظة العصبية من عشاق الرائحة المُنتَجة. والمدهش أني وجدتُ صناع عطر أسموا عطرَهم (انترلود) وتُسميهم المقالة (المرجئة الجدد) لأنهم صنعوه من مكونات تحاول أن تحقق هذه المعادلة الإرجائية، وهي أن يكون الإيمان مقدمًا على العمل، ولا يضر معه معصية، وفكرة عطر انترلود -لمن جربها- أهم من تراكب مكوناته الكيمائية، فلا يضر مع فكرة إبداعها الاهتزازات السوقية العامة، ومن هنا كان عطر انترلود -الذي صُنِع من مكونات كلها من طبيعةِ أرضِ العرب في عمان الساحرة أرضِ الخليل بن أحمد الفراهيدي- هو رائحة الكسل الإرجائي بامتياز، ولا ننسى أنَّ هرمان هسّه سمى في مقالته -فن الكسل- رواةَ العرب مليونيرات الوقت وهم الذين يغرفون الزمن من بئرٍ بلا قرار.
إذن حين نكون في قلب المعركة المذهبية والقتال على الحكم، فنخلق فجأة زمنا بين حدثين (انترلود) فلا نحن منتصرون ولا منهزمون، إنما نحن نؤجل الحسم ونرجئه لأنَّ استعجال الشيء يمنعنا من فهمه. هذا هو الكسل الإرجائي الذي يُنتج شيئًا، أثره لا يظهر آنيًا، إنما يظهر في وقتٍ متأخر، ألا ترى أنَّ الإرجاء هو الذي انتصر ضمنيًا بعد أن دخل العرب إلى ضرورات الحداثة وما بعدها، وقد كانوا من قبل يحتقرون كسلَه؟
التفاتة:
التقط هرمان هسّه تعبيرَ الإيطاليين (far niente) بوصفه متعة فعل اللاشيء؛ وهنا تكمن المفارقة: أن يُقال فعل اللاشيء يعني إثبات فعل خفي لا تعترف به المقاييسُ الاجتماعية الحديثة، فعل يشتغل أثرُه متأخرًا، أما أن يقال: لا تفعل شيئًا، فذلك إقرارٌ بالسكون والعدم. الأولى كسلٌ مُنتِج للمعنى، والثانية تعطّل بلا معنى.