يعد العمل التطوعي من أقدم الأعمال التعاونية الخيرية، وأكثرها تجسيداً للبعد الإنساني التفاعلي عملياً. وأقدمها نضجاً ووعياً. وهو ترجمة للفكرة المؤمنة التي تنطلق من الإحساس الموقن بمساعدة الآخرين وإغاثتهم وإعانتهم على تقلبات الحياة وبؤسها. ولم يأت دين من الأديان إلا وحث على فعله وأكد على نتائج حسناته العظيمة. وأسبغ على متبنيه أسمى آيات الفضيلة. وقد جاء ذكره في كل التراث الإنساني التاريخي الأدبي نثراً وشعراً وقصةً ورواية. وكان الإسلام من أقوى الأديان التي مجدت وامتدحت العمل التطوعي وأمر به. وذكر إحسانه ونبله في أكثر من موضع في القرآن الكريم. فقال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، و(فمن تطوع خيراً فهو خير له)، (وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين).

كما ورد في متن الأحاديث النبوية الشريفة صحيحاً: (أن لله عباداً اختصهم لقضاء حوائج الناس، حببهم للخير وحبب الخير إليهم، أولئك الناجون من عذاب يوم القيامة)، و(خير الناس أنفعهم للناس). وغير ذلك كثير. ويمثل العمل التطوعي في أصله أنموذجاً لحقيقة تلاقي القيم الروحية للإنسان وتألقها، وموعد استرسال تراحمي عميق بين أفراد وجماعات المجتمعات المختلفة. ويقصد بالعمل التطوعي "أي نشاط طوعي إنساني خيري غير حكومي أو شبه حكومي يقوم به كيان طوعي وطني أو كيان أجنبي مانح أو منفذ لبرامجه. ويكون النشاط ذا أغراض اجتماعية أو تنموية أو إغاثية أو رعائية أو خدمية أو علمية أو بحثية يتم تسجيله وفقاً لأحكام هذا القانون" وهو ما جاء في مشروع قانون العمل الطوعي والإنساني لسنة 1999م. وحديثاً فقد حددت الأمم المتحدة في عام 1985م يوم التطوع العالمي أو اليوم الدولي للمتطوعين المعروف اختصاراً بالإنجليزية (I.V.D)، كاحتفالية عالمية سنوية تقام في 5 ديسمبر من كل عام. إلا أن أفراد وجماعات المجتمعات الإسلامية قاطبة لا تهتم لهكذا تواريخ فيما يخص الأعمال التطوعية الخيرية والاجتماعية. إذ إنها لا تحتاج إلى ما يذكرها بالعمل التطوعي الخيري. لأن ذلك مرتبط بصلب دينها في الأصل.

ويعتبر شهر رمضان المبارك مناسبة سانحة وعظيمة، يقوم قبله وخلاله معظم المسلمين بالأعمال التطوعية طلباً للأجر والثواب من الله تعالى. وكذلك تأتي فريضة الحج كإحدى أهم المناسبات الدينية التي يكثر فيها المنخرطون في العمل التطوعي تلبية لنداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتعاليم الدين والعلاقة الإنسانية التراحمية. ويتميز المجتمع السعودي كغيره من المجتمعات المسلمة بحبه للعمل التطوعي الخيري، على الرغم من افتقاده جزئياً بعض قواعد التنظيم المؤسسي لهذا النوع من الأعمال في شكلها وطرقها الحالية تبعاً للمتغيرات الاجتماعية. إلا أنه يعوض ذلك النقص التنظيمي بموهبة ملكة حب الخير والرحمة التي جبل عليها المجتمع المسلم. والتي من خلالها يترجم علاقته الأخوية الوثيقة ببعضه بعضا. وهو ما يمثل وعياً إنسانياً هائلاً بالآخر، غائراً في صدقه وحركته. الأسبوع الفارط جمعتني مكالمة هاتفية بشاب سعودي من مكة المكرمة يدعى (عماراً). كان قد أطلق تغريدة من حسابه على شبكة التواصل الاجتماعي (تويتر)، منادياً من خلالها كل من يرغب في التطوع لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين والفقراء قبل وأثناء شهر رمضان المبارك الذي سيهل علينا غداً أو بعد غدٍ بحول الله. ولم يدهشني ذلك بقدر ما أسعدني الحماس الكبير الذي كان عليه ذلك الشاب، وحرصه على إنجاح هذه المهمة، ومشاركة أكثر قدر ممكن من الناس في هذا العمل الإنساني العظيم. استمعت إليه وهو يشرح لي بإسهاب تفاصيل جيدة عن العمل الذي قام به مع مجموعة من أصدقائه، وانتهائهم من عمليات تجميع وتصنيف وتقسيم المؤن إلى كميات متساوية، بحيث لم يتبق عليها سوى توزيعها على محتاجيها. هذا التحرك الذاتي الشهم إنما هو تعبير فاره عن حقيقة سيكولوجية لسلوك مفعم بالمحبة والعاطفة النبيلة. تقدم أنموذجاً حياً على حجم إدراك شريحة واسعة من المجتمع لمسؤوليتها تجاه بعضها.

وتؤكد على مقدرتها الذاتية في بعث السعادة وإدخال البسمة إلى قلوب الفقراء والمساكين وابن السبيل. وتثمن العائد الأخلاقي الذي سينعكس إيجاباً على العلاقة الإنسانية مع الآخر، وهو ما سيؤدي إلى تنامي بناء مجتمع متكافل يحدد علاقاته وفق آلية محورها الشراكة الاجتماعية، وأساسها الرحمة والمحبة. وذلك في الواقع حوارية ملهمة تتماهى مع طبيعةٍ تمتلك جذوراً عميقة وقديمة، يهذبها الوازع الديني، ويصقلها العمل الميداني التطبيقي. وشهر رمضان المبارك فرصة عظيمة لنقوم بتدريب أنفسنا على القيام بالأعمال التطوعية الخيرية، وتهذيب إحساسنا وعلاقتنا بالآخرين بكافة أشكالهم وألوانهم دون تمييز. لتستمر وتكبر في أخلاقياتنا أبجديات الشهامة والنخوة كـ(عمار وأصدقائه)... وشهركم مبارك.