لم يكُن كوليشوف حينها يَمتلك إمكانات التصوير أو الإنتاج كما حَصَلَ مع مَن جاؤوا بعده، لكنّه امتلكَ حدسًا نظريًّا مبكّرًا، جَعَلَهُ يَقترح تجربةً ستُغيِّر في تاريخِ السينما برمّته. ففي أثناء تصدّرِهِ لأوّل دَورات السينما في المدرسة الوطنيّة للسينما في الاتّحاد السوفياتي، واجَهَ المُشاركين في الدورة بلقطةٍ لوجهِ مُمثِّل، تُركَّب إلى جانبِ صورٍ مُتباينة: طَبَقُ حساءٍ أوّلًا، ثمّ جثّة ثانيًا، ومع صورة امرأة مُستلقيَة أخيرًا، فكان المُشاهدون يُغيِّرون تفسيرَهم لهذا التركيب في كلِّ مرّة. فالوجه عبَّر عن الجوع في المرّة الأولى، والحزنِ في الحالة الثانية، والرغبةِ في الحالة الأخيرة، مع أنّ الصورة الرئيسة لم تتغيَّر، بحيث كانت دائمًا ملامح مُحايِدة لوجهِ مُمثِّل... هكذا وُلد ما صارَ يُعرف لاحقًا بـ «تأثير كوليشوف»، لا بوصفه تطوُّرًا تقنيًّا فحسب، بل تحوّلاً إدراكيًّا في فَهْمِ المونتاج، فلَم يَعُد التتابُعُ البصريّ مجرّد ربْطٍ بين لَقطات، بل أَصبح مساحةً يتمّ فيها صنْع المعنى، وتوجيه الانفعال، وإعادة تركيب الواقع.
واليوم، في زمنٍ تتوالى فيه الفيديوهات القصيرة، والمقاطع المبتورة من سياقِها، والتقطيع الخوارزمي، تعود هذه الفكرةُ الأولى لتَطرحَ نفسَها من جديد، ولكنْ في سياقٍ مُغايِر:
ما الذي نراه من العالَم اليوم؟ أهي صور الحقيقة؟ أم المعنى النّاتج عن الإبداء والإخفاء والتلاعُب؟ هل نعيش الحقيقةَ أم الوهْم؟
لم يكُن تأثير كوليشوف سوى الشرارة الأولى لانطلاق فكرة التوضيب، فسرعان ما سيأتي «سيرجي أيزنشتاين» وهو أحد تلاميذ كوليشوف ممَّن حضروا ورشاته، ليُواصِلَ البحثَ في الفكرة النظريّة لتجاوُر صورتَيْن، بل سيوسِّع البحثَ ليَدفعَ بفكرة المونتاج إلى جانبٍ أكثر تطرُّفًا؛ فهو لم يكُن يؤمن بأنّ ترتيبَ اللّقطاتِ يَصنع المعنى فقط، بل أنّ تصادُمَها هو ما يُولِّد الفكرة. وبالنسبة إليه لم يكُن المونتاج أداةً نفسيّة كما هو الحال مع كوليشوف، بل كان مَنهجُهُ جدليًّا، يُعيد تشكيلَ الواقع لا تمثيله فقط. فالصورة لا تُستكمل بالصورة التالية، بل تُـخالِفها، وبين اللّقطتَيْن حيث يَقع التصادُمُ يتولَّد المعنى الثالث، هذا المعنى الذي لا يتواجد في أيٍّ من اللّقطتَيْن، بل يَنتج من تركيبهما معًا، فتَنبثق الفكرةُ من التناقُضِ لا التّتابُع.
لاحقًا، ومع النضْج النقديّ، راجَعَ الكثيرُ من السينمائيّين المونتاجَ السوفياتي، والجانبَ الإيديولوجي فيه؛ فالناقد والمُخرِج الفرنسي أندري بازان (1918 - 1958) مثلاً، لم يكُن مفتوناً ببنية الفيلم الروسي كغيرِه، بل كان قَلقًا من آثاره على حريّة المُتفرِّج. فبالنسبة إليه، ما فَعله إيزنشتاين بالمونتاج، بالرغم من عبقريّتِه ودورِه الريادي، تحوَّلَ إلى سلطةٍ على وعي الجمهور؛ فلقد رأى في التقطيع المُتقن، والتصعيدِ في إيقاع الفيلم عِبْرَةً، وفي نحتِ المعنى من تصادُمِ اللّقطات نَوعًا من التوجيه والوصاية الذي لا يَترك للمُشاهِد حريّةَ الفهْم، فهو محكومٌ بأن يَفهم ما أُريد له أن يَفهمه.
مَوقِف بازان، في جوهره، لم يكُن دفاعًا عن الواقعيّة فقط، بل عن حريّة المُشاهَدة كشرطٍ لتحقيق تجربة المُشاهَدة. لقد رأى أنّ اللّقطةَ المُمتدّة، التي تَشمل حركةَ المُمَثِّل والعمقَ الزمني والمكاني والبَصري، تَمنح الواقعَ الخامّ، والحقيقيّ، فرصةً للتشكُّل أمامنا مباشرةً من دون توجيه.
ففي مقاله الشهير «المونتاج المحظور»، دافَع بازان عن بدائل تَحفظ للمُشاهِد حقَّهُ في التفكير والتأمُّل، وهاجَمَ الاستخدامَ المُفرط للمونتاج بوصفه أداة أيديولوجيّة. بالنسبة إليه، كان الأهمّ هو ما يُبقيه الفيلم مَرئيًّا، لا ما يَختار حذْفَه، وما يُتيحه من احتمالاتٍ إدراكيّة، لا ما يُغلقه.
المونتاج في زمن الخوارزميّات: الإبداء والإخفاء
يبدو اليوم أنّ ما كان محضَ نظريّاتٍ وجَدَلٍ نقديّ لتيّارات السينما ونقّادِها، تحوَّلَ في العصر الرقمي إلى مُمارَسةٍ اجتماعيّة كَونيّة؛ إذ لم يَعُد المونتاج حكراً على المُخرجين أو على مجال السينما برمّته، بل أصبح جزءًا من السلوك اليومي لملايين الناس. المونتاج لم يَعُد مجالَهُ الفيلمُ، بل الحياة المصوَّرة. ففي ظلِّ هيْمَنةِ الفيديوهات القصيرة، وتطبيقاتٍ مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك»، وشيوع الريلز والستوري كأنماطِ تعبير، تُركَّب الصورُ وتُقصّ وتُجمَّع، ليس بهدف صناعةِ مَشهدٍ في فيلم أو تعزيزِ فكرةٍ جماليّة، بل من أجل صناعة الانطباع وبناء واقعٍ بديل؛ واقع لا يُصوَّر كما هو، بل يُعاد ترتيبه ليخدمَ تمثُّلًا مرغوبا لصورةٍ أو هيئةٍ أو شكل...
أَصبح كلُّ مُستخدِمٍ، عن وعيٍ أو من دونه، يُنتِج «تأثير كوليشوف» خاصّاً به: يَلتقط صورًا بملامِح مُختارة بعناية، يُرفقها بمقاطع موسيقيّة، بفلترٍ بصريّ، بعنوانٍ جذّاب، وربّما بإيقاعِ مونتاجٍ مُتسارِع، ثمّ يَبني من خلالها رسالةً ضمنيّة عن الذّات، عن النجاح، عن الجمال، عن السفر، عن مزاجِه أو حتّى عن أفكاره. لكنّ هذا «المعنى» ليس قائماً في الواقع، بل هو نتيجة المونتاج؛ أي في ما قُطِّعَ، وما أُضيفَ، وما أُخفيَ...
ويَبقى مُتابِعُ هذه الموادّ المصوَّرة في حالةِ تيه، فهو لا يرى الحياةَ كما هي، بل كما أُريد له أن يراها، تمامًا كما في أفلام أيزنشتاين، يُحذَف ما يُهدِّد الرسالة، ويُركَّب ما يَخدمها، ويُصبح الترتيبُ أهمّ من المضمون. لكنّ الفارق هنا أنّ أيزنشتاين كان يُوجِّه جمهورَه نحو قضيّةٍ سياسيّة، من ضمن مشروعٍ تعبويٍّ مُتكامل. أمّا اليوم، فالمونتاج يُوجِّه الناسَ نحو صورةٍ مزيّفة، لا سلطة سياسيّة واضحة خلْفَها، بل خوارزميّات، ورغبات مشتَّتة، وقلق جماعي من التلاشي من غير تعبيرٍ بالصور، وهو ما انتبهت له عالِمةُ النَّفس الفرنسيّة إلزا غودار، في كتابها «أنا أو سيلفي إذًا أنا موجود» بقولها: «لقد دخلْنا عصرَ الصورة الذاتيّة المُنتَجة، حيث يُصبح الوجود بلا رؤية رقميّة شِبه اختفاء».
فلم يَعُدِ المونتاجُ مجرّد تقنيّة إذًا، بل نمط وجودٍ صارَ الناسُ يُعيدون بناءَ ذواتِهم من خلال ما يُظهرونه وما يُخفونه، لا وفْقَ مسار تطوُّرٍ حياتيٍّ طبيعيّ، بل وفْقَ إيقاع السوق الرقمي. وباتت قواعد «ظهور» كلّ مقطع فيديو، حتّى لو كان عفويًّا، تتمثَّل في خضوعِهِ لمنطق الإخراج: كيف أُصوّر نفسي؟ أيّ لحظة أحتفظ بها؟ أيّ جزء أُخفيه عن المتابعين؟ في أيِّ توقيتٍ أنشره؟ بل حتّى زمن المونتاج (5 ثوان، 15 ثانية، دقيقة...) باتَ يخضع لتوجيهٍ خوارزميّ، لا لقرارٍ جماليّ.
امتداد اللّقطة أم انحسارها، الفراغ من العُمق
وحتّى منطق الامتداد في وسائل التواصُل تَجده فارغًا من أيِّ عُمق. فحين دافَعَ أندري بازان عن اللّقطة المُمتدّة، لم يكُن يتحدّث عن إطالة زمن المُشاهَدة فقط (وهو ما تتبنّاه وسائل التواصل وتَدفع به)، بل عن فلسفةٍ في إدراك الواقع وفَهْمِه، تتمثَّل في أن يُمنح المُتفرِّج الفرصة ليكتشفَ بنفسه العلاقات داخل إطار الكاميرا، من دون تدخُّل المُخرج بتقطيعِ هذا الإدراك وتوجيهِه. لقد رأى في اللّقطة الطويلة مساحةً لتكثيف المعنى من داخل الصورة نفسها، لا من خارجها، وجَعَلَ من الواقعيّة خيارًا أخلاقيًّا وفكريًّا، لا مجرّد تقنيّة فقط.
لكنّ المُفارَقة اليوم أنّ بعض أشكال الفيديو الحديث، مثل «المدوّنات الرقميّة» أو «البثّ المباشر»، تدّعي استعادةَ هذه الواقعيّة من خلال البثّ والتسجيل اللّحظي، لكنّها في الحقيقة تَنتهكُ جوهرَ اللّقطة البازانيّة. فبينما كانت اللّقطةُ الطويلة لدى بازان تُبنى على تأمُّلِ الزمن والمكان، تُختزَل في هذه الأشكال الرقميّة إلى زمنٍ مُستهلَكٍ، مُسرَّب، ومُشتَّت. اللّايف..! ليس «لقطة ممتدّة»، بل إنّه تدفّقٌ زمني بلا عُمق أو جوهر، حيث الكاميرا لا تَنتظر شيئًا، بل تُلاحِق ردودَ الفعل فقط، ليُصبِحَ الزمنُ منسابًا دونما غائيّة...
ربما لم يكُن كوليشوف، وهو يَبحث عن قوانين الإدراك، ولا إيزنشتاين، وهو يَبحث عن المعنى في صدام اللّقطات، يتوقّعان أن تَنتهي مُغامرةُ المونتاج الكبرى إلى هذا الشكل الحزين؛ أن تتحوّل من وسيلةٍ لصنْع الفكر إلى وسيلةٍ لترويضِه، ومن أداةٍ لتحرير الصورة من سطوتها الطبيعيّة إلى أداةِ تضخيم وهْمِها المُصطنَع. ففي زمنٍ كانت فيه اللّقطةُ تُبنى بعنايةٍ لِطَرْحِ سؤالٍ فلسفي، أصبح المونتاجُ اليوم يُنجَز ليخفي الحقيقةَ ويَدفنَها عميقًا. ومع ذلك، فإنّ السؤال الأوّل، ذلك الذي أَطلق شرارةَ المونتاج، لا يزال راهنيًّا، بل أكثر إلحاحًا من أيِّ وقتٍ مضى: هل المونتاج يُبنى اليوم لمصلحة المعنى أم لإخفائه؟ هل ما نراه هو ما وَقَعَ حقًّا أم ما أُريد لنا أن نراه؟ وهل نحن، وسط هذا الطوفان من الصور، نَقبض على الحقيقة أم الزيف؟ وتلك أسئلة مَدارُها الفكر وليس التقنيّة فقط.
*كاتب وناقد سينمائي من المغرب
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة أفق.