تمثّل رؤية سمو ولي العهد حفظه الله تحوّلًا وطنيًا عميقًا أعاد تعريف مفاهيم الوجاهة والقيمة الاجتماعية، ورسّخ مبدأ أن العمل المنتج والعطاء الحقيقي هما معيار المكانة، لا المظاهر البراقة ولا التفاخر الزائف. ومن أبرز تجليات هذا التوجه، دعوة الدولة الواضحة لرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال إلى توجيه تبرعاتهم واستثماراتهم نحو إنشاء مراكز خدمية وطبية وتعليمية وإنسانية، تُسهم في التنمية المستدامة وتخدم الإنسان والوطن.

وأثمرت هذه الرؤية عن مشاريع عملاقة أنشأها رجال أعمال وطنيون أدركوا أن الخلود لا يُكتب على واجهات الأبراج، بل في الأثر الذي يُداوي مريضًا، ويُعلّم طالبًا، ويُنقذ محتاجًا. أولئك جسّدوا مفهوم «الوجاهة الحقيقية» التي تصنعها الأفعال لا الأقوال، والإنجاز لا الادعاء.

في المقابل، لا يمكن تجاهل الغياب الصامت لعددٍ من أصحاب الثروة ممن اختاروا الوقوف على هامش اللحظة الوطنية، مكتفين بمظاهر الثراء وصور المناسبات، بينما الوطن ينادي، والاحتياج حاضر، والفرص متاحة. والعتب هنا ليس شخصيًا، بل وطنيٌّ صريح: كيف تتكدّس الأموال لدى البعض ولا يُرى لها أثر؟ وكيف تُصنع الوجاهة في المجالس والمقاطع، بينما تُهمل في المستشفيات والمدارس وأحياء المحتاجين؟ فالوطن لا يطلب المستحيل، بل يطلب أن يكون العطاء بحجم النعمة، وأن تُعاد بعض الأمانة إلى أهلها.


لقد دوّن رجال أعمال حقيقيون أسماءهم في سجل الفخر الإنساني حين شيّدوا مستشفيات، وأسّسوا جامعات، ودعموا مشاريع خدمية عملاقة، دون ضجيج أو استعراض. بينما لا يزال آخرون يؤجّلون دورهم، وكأن التنمية شأنٌ مؤجَّل، أو مسؤولية غير مستعجلة، في وقتٍ لا ينتظر فيه الوطن المتردّدين.

ما تحتاجه المرحلة اليوم هو أن تتحوّل ثقافة «المهايط» المذموم القائم على الاستعراض والمظاهر إلى «مهايط محمود»، يُفاخر فيه أصحاب الثراء بعطائهم الفعلي، وبمشروعاتهم الخدمية والإنسانية التي تبني الوطن وتخدم المواطن. فالمباهاة اليوم يجب أن تكون بعدد الأسر التي انتُشلت من الحاجة، وعدد المرضى الذين وجدوا علاجًا، وعدد الشباب الذين فُتحت لهم أبواب التعليم والعمل، ليكون التنافس على الأثر لا على الصورة، وعلى البصمة لا على الضجيج.

ولضمان استدامة هذا التوجّه، تبرز أهمية تنظيم عملية التبرعات ضمن إطار وطني واضح، يمنع أي دعم لا يصب في مشاريع خدمية معتمدة، مع تفعيل «السجل الوطني للأثر الاجتماعي» المرتبط بتوكلنا، بوصفه أداة توثيق وعدالة اجتماعية تُظهر من قدّم، وتمنح الوجاهة المستحقة لمن خدم المجتمع بإنجازٍ فعلي، وتُعيد ترتيب المشهد الاجتماعي على أساس الأثر لا الادعاء.

بهذا النهج، ننتقل من وجاهة الاسم إلى وجاهة الأثر، ومن تبرعات المقاطع الوهمية والرياء والنفاق إلى صدقات البناء، ومن مجد وسائل التواصل إلى مكانةٍ حقيقية يخلّدها العمل الصادق وخدمة الوطن. فالتاريخ لا يذكر كم ملكت، بل ماذا فعلت لوطنك ومجتمعك، والوطن لا يخلّد من حضر، بل من بادر وخدم وترك أثرًا لا يُمحى.