وعاشت المشاركات في الدراسة ظروفًا متقاربة من حيث نمط الحياة الصحي، والبيئة المجتمعية الداعمة، والابتعاد عن السلوكيات الضارة، ومع ذلك أصيبت نحو 17% منهن بالخرف لاحقًا، ما أتاح للباحثين عزل عوامل محددة وتحليل أثرها بدقة.
وأظهرت النتائج أن اجتماع عاملين هما صغر محيط الرأس وانخفاض مستوى التعليم يرفع خطر الإصابة بالخرف إلى أربعة أضعاف، مقارنة بمن يتمتعن برؤوس أكبر وتعليم أعلى. أما وجود أحد العاملين منفردًا، فلم يكن كافيًا لرفع الخطر بشكل ملحوظ، ما يشير إلى تفاعل معقد بين العوامل البيولوجية والخبرة المعرفية عبر الحياة.
وبيولوجيًا، يرتبط حجم الرأس الأكبر عادةً بدماغ أكبر حجمًا، ما يعني وجود عدد أكبر من الخلايا العصبية والوصلات المشبكية، وهو ما يعرف بـ»الاحتياطي الإدراكي». هذا الاحتياطي يعمل كنوع من الهامش الوقائي، يسمح للدماغ بتعويض جزء من التلف الذي يحدث مع التقدم في العمر أو مع أمراض تنكسية مثل ألزهايمر، قبل أن تظهر الأعراض الإكلينيكية بوضوح. ويدعم ذلك ارتباط الخرف في الدراسة بوجود حصين (قرن آمون) أصغر، وهو الجزء المسؤول عن الذاكرة والتعلم.
أما التعليم، فيسهم بدوره في تعزيز هذا الاحتياطي الإدراكي عبر تقوية الشبكات العصبية وزيادة كفاءتها، فضلًا عن ارتباطه بأنماط حياة صحية كالنشاط البدني والتغذية السليمة.
وتكمن أهمية هذه النتائج في توقيتها؛ إذ يحدث نحو 90% من نمو الرأس قبل سن السادسة، ويصل الدماغ إلى 75% من حجمه النهائي في السنة الأولى من العمر. وهذا يعني أن أسس الوقاية من الخرف تُبنى في الطفولة المبكرة جدًا، بل وحتى قبل الولادة، من خلال تغذية الأم، وتجنب السموم، والرعاية الصحية والتحفيز المعرفي المبكر. وبالتالي، تؤكد الدراسة أن الوقاية من الخرف ليست شأن الشيخوخة فقط، بل تبدأ منذ البدايات الأولى للحياة.