مع بداية عام 2026، لا تزال إيران تشكل مصدر قلق استراتيجي للولايات المتحدة، رغم انتكاساتها العسكرية والدبلوماسية في 2025. فالتهديد الإيراني لم يختفِ، وواشنطن أمام تحدٍ حقيقي لإعادة رسم سياساتها بطريقة توازن بين الشراكة الإقليمية والضغط على طهران لضمان الاستقرار والأمن.

استراتيجية ترمب

وأصدرت إدارة الرئيس دونالد ترمب استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، التي حاولت إعادة تعريف الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. ورغم أن إيران لم تُذكر إلا ثلاث مرات في الوثيقة، إلا أن الإشارات إليها كانت بارزة، خصوصًا عملية «مطرقة منتصف الليل»، التي استخدمت القوة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، لتحقيق أول وقف لتخصيب اليورانيوم منذ عام 2006.


وتعكس هذه الاستراتيجية مزيجًا من الضغط العسكري، والدبلوماسية الإقليمية الحازمة، وسياسة الطاقة المحلية، في محاولة لتقييد قدرة إيران على زعزعة الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، تبقى التساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الشراكة والاستثمار الإقليمي في ظل وجود تهديد مستمر من طهران.

الضغط الأقصى

وأُعيد إحياء سياسة الضغط الأقصى على إيران بداية 2025 لتقليص صادرات النفط الإيرانية والحد من مواردها المالية. ورغم جهود وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت للحد من صادرات النفط إلى 100 ألف برميل يوميًا، فإن إيران تصدّر أكثر من مليوني برميل يوميًا، معظمها إلى الصين، أكبر منافس للولايات المتحدة، في تجاهل واضح للعقوبات الدولية.

وتشير التقارير إلى أن الصين لم تتوقف عن تزويد إيران بمواد كيميائية تساعدها على توسيع ترسانتها من الصواريخ الباليستية، مما يبرز تحديًا مزدوجًا يجمع بين التهديد الإيراني والمنافسة الصينية على النفوذ الإقليمي.

التهديدات غير النووية

وعلى الرغم من تحذيرات ترمب باستخدام القوة ضد برنامج إيران النووي إذا أعيد بناؤه، فإن الخط الأحمر لواشنطن تجاه التهديدات غير النووية لم يُحدد بعد. وهذا الفراغ الاستراتيجي يترك فرصة لإيران لاستغلال الوكلاء المحليين وإعادة بناء قدرتها على زعزعة استقرار المنطقة.

وتشير التجارب السابقة إلى أن الافتراض بأن العقوبات كافية أو أن إسرائيل تتحكم في الأمور قد يؤدي إلى تكرار أخطاء الإدارات السابقة، ويترك الولايات المتحدة أمام مفاجآت أمنية غير متوقعة.

استراتيجية شاملة

ويبقى أمام واشنطن تحد كبير في صياغة استراتيجية شاملة للتعامل مع إيران، تشمل الضغط العسكري والاقتصادي، وإشراك الشركاء الإقليميين، ومراقبة الوكلاء المحليين، وفصل العلاقة الإيرانية عن المنافسة الصينية. فغياب هذا التوازن قد يعيد اللب إيران لتكون مرة أخرى مصدر الإزعاج الرئيسي لصانعي السياسة الأمريكية في العام الجديد.

كبح النفود

وتدخل إيران العام الجديد باعتبارها أحد أكثر التحديات تعقيدا أمام السياسة الأمريكية، في ظل استمرار التوتر حول برنامجها النووي، ونشاطها الإقليمي، وعلاقتها المتقلبة مع القوى الدولية. فشل المسار الدبلوماسي في تحقيق اختراق مستدام، مع تعثر المفاوضات وغياب الثقة المتبادلة، أعاد الملف الإيراني إلى مربع الاحتواء والردع، بدل التسوية. وفي هذا السياق، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين منع التصعيد العسكري، والحفاظ على نظام العقوبات، ومحاولة كبح النفوذ الإيراني المتنامي في الشرق الأوسط.

أوراق الضغط

وفي المقابل، تستمر طهران في توظيف أوراق الضغط السياسية والعسكرية والاقتصادية لتعزيز موقعها التفاوضي، مستفيدة من التحولات الدولية وانشغال الولايات المتحدة بأزمات عالمية أخرى. هذا الواقع يفرض على الإدارة الأمريكية سياسة إدارة أزمات أكثر منها سياسة حل جذري، تقوم على الرد المحدود، والتحالفات الإقليمية، والدبلوماسية المشروطة. ومع دخول العام الجديد، يبقى التهديد الإيراني حاضرا كملف مفتوح، يلاحق صناع القرار في واشنطن، ويقيد هامش المناورة أمام أي تحول استراتيجي حاسم في العلاقة بين البلدين.