قررت قوات سوريا الديمقراطية الانسحاب من حلب في خطوة تعكس إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. المدينة التي شهدت صراعات متعددة الأطراف على مدى سنوات، لم تعد تشكل أولوية للإدارة الذاتية الكردية التي تفضل تركيز مواردها العسكرية المحدودة على مناطق شرق الفرات.
يأتي هذا القرار في ظل ضغوط متعددة المصادر، حيث تواجه قسد تهديدات تركية متصاعدة على محور تل رفعت ومنبج بلغت أكثر من 200 قصف مدفعي خلال الشهر الماضي، إلى جانب توترات مع العشائر العربية في دير الزور التي تسيطر على 60 % من حقول النفط السورية.
هل واشنطن تملأ الفراغ؟
بينما تنسحب قسد من حلب، شنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» ضربة عسكرية واسعة النطاق استهدفت 75 موقعاً لداعش في البادية السورية. العملية التي استخدمت فيها قاذفات إستراتيجية ثقيلة من طراز B-52، تعكس قلقاً أمريكياً متزايداً من استغلال التنظيم للفوضى الانتقالية.
التوقيت ليس عشوائياً، فداعش الذي يقدر عدد مقاتليه بنحو 80 ألف عنصر موزعين بين سوريا والعراق، أظهر نشاطاً ملحوظاً في الأسابيع الأخيرة. الضربة الأمريكية استهدفت معسكرات تدريب ومخازن أسلحة ومراكز قيادة في مناطق تمتد من تدمر حتى دير الزور، في رسالة واضحة بأن واشنطن لن تسمح بعودة داعش.
معادلة معقدة
التطوران المتزامنان يكشفان عن معادلة معقدة في سوريا الجديدة. فبينما تحاول قسد التكيف مع الواقع الجديد عبر انسحابات تكتيكية، تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على نفوذها ومحاربة الإرهاب رغم الغموض المحيط بالتزاماتها طويلة الأمد.
أما تركيا التي تعتبر قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني، تراقب بحذر أي ترتيبات قد تعزز الوجود الكردي المسلح. أنقرة التي تسيطر على 8.835 كيلومترا مربعا في شمال سوريا عبر فصائل موالية، تصر على أن أمنها القومي خط أحمر.